السيد ذي يزن يُضيء دروب الجامعة

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

للأوطان معالم تعتز بها، وتصبح جزءاً من صورتها أمام العالم؛ ففي فرنسا يقف برج إيفل، وفي إيطاليا يظل برج بيزا المائل علامة يعرفها الناس في مختلف أنحاء العالم. أمَّا عُمان، فلها من القلاع والحصون ما يشهد على عراقة تاريخها وأصالة حضارتها، ويحفظ للأجيال شواهد من ماضيها، غير أنَّ للأوطان معالم أخرى لا تكتفي بأن تروي ما كان، بل تكشف عن الوجهة التي اختار الوطن أن يمضي إليها، وعن ملامح الغد الذي يعمل على صناعته.

وجامعة السلطان قابوس واحدة من هذه المعالم؛ فهي عنوان لمرحلة آمنت فيها عُمان بأنَّ بناء الإنسان هو أساس النهضة، وأن العلم والمعرفة هما الطريق إلى مستقبل أكثر إشراقاً. وبعد أربعين عاماً على تأسيسها، لا نستعيد تاريخ الجامعة وحده، بل نتأمل ما أصبحت تمثله في مسيرة الوطن، وما يُمكن أن تضيفه إلى أعوامه القادمة.

ولم تكن مكانة الجامعة محصورة في محيطها الوطني؛ فقد استقبلت شخصيات دولية بارزة، رأت في هذا الصرح ما يستحق الزيارة. فقد زارها الملك تشارلز الثالث حين كان أميراً لويلز ووليّاً للعهد، كما زارها الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، وحلّ الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون ضيفاً عليها، وزارها رئيس وزراء ماليزيا الأسبق مهاتير محمد، إلى جانب شخصيات أخرى. غير أنَّ الأسماء، مهما علت، ليست أصل الحكاية؛ فالأهم ليس من زار الجامعة، بل الرؤية التي أُنشئت من أجلها، والدور الذي أُريد لها أن تنهض به في مسيرة عُمان.

فالسلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، لم يكن مجرد اسم تحمله الجامعة، بل كان صاحب الحلم الذي رأى في العلم طريقاً لبناء عُمان، وفي الجامعة بيتاً تتشكل فيه عقول أبنائها وقياداتها. وقد أعلن وعد إنشاء الجامعة في احتفالات العيد الوطني العاشر عام 1980، ثم تحقق ذلك الوعد بافتتاحها في عام 1986 واستقبالها أول دفعة من طلبتها؛ لتصبح صرحاً علمياً يحمل اسم باني نهضة عُمان.

ولم يكن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أيده الله- بعيداً عن ذاكرة الجامعة؛ فقد عرفها وزارها في مناسبات عدة قبل أن يتولى مقاليد الحكم. واليوم، بعد أربعة عقود من تأسيسها، يُقام الاحتفال بهذه المناسبة تحت رعاية صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية. ولا تقف دلالة هذه الرعاية عند الاحتفاء بمرور أربعين عاماً؛ فهذا الحضور يفتح باباً للتأمل في الدور الذي يمكن أن تنهض به الجامعة في المرحلة المُقبلة، بما تملكه من عقول وخبرات علمية، وما تستطيع تقديمه من دراسات ورؤى ومشورة في مختلف القضايا التي تشغل مسيرة الوطن، وفي مقدمتها الاقتصاد بوصفه ركيزة أساسية للتنمية، إلى جانب التعليم والصحة والبيئة والتقنية وغيرها من المجالات؛ فكم من فكرة تحتاج إلى عقل أكاديمي يختبرها، وكم من قرار يحتاج إلى بحث يضيء جوانبه، وكم من طموح وطني يحتاج إلى معرفة تكشف ما وراء أرقامه من فرص وتحديات. ومن هنا تبرز أهمية حضور الجامعة في قراءة قضايا الوطن واستشراف تحولاته، والإسهام بالرأي والمعرفة في رسم خياراته.

وأربعون عاماً ليست مجرد رقم في عمر مؤسسة أكاديمية؛ إنها أجيال تعاقبت على مقاعدها، ثم مضى أبناؤها إلى مواقع العمل والمسؤولية، وأفكار خرجت من قاعاتها لتجد طريقها إلى المجتمع. ولا يُقاس أثر الجامعة بما تمنحه من مؤهلات فحسب، بل بما بلغه خريجوها من مواقع، وما نهضوا به من أدوار، وما أضافوه إلى وطنهم. وحين ننظر إلى مسيرة عُمان خلال العقود الماضية، يصعب أن نفصل ما تحقق فيها عن تلك العقول التي تلقت تعليمها وتأهيلها في مؤسساتها الأكاديمية، وفي مقدمتها جامعة السلطان قابوس.

 وقد حققت جامعة السلطان قابوس خلال السنوات الأخيرة حضوراً مُتقدماً بين الجامعات على المستويين الإقليمي والعالمي، وهو ما يعكس ما راكمته من جهود أكاديمية وبحثية، وما شهدته من تطور في مسيرتها العلمية. غير أنَّ ما تحقق، على أهميته، يفتح أمامنا سؤالاً آخر عما ينتظرها في السنوات القادمة. فالعالم يتغير، ومصادر القوة لم تعد كما كانت، والمعرفة أصبحت جزءاً من قدرة الدول على المنافسة وصناعة خياراتها. ومن هنا تتجدد مسؤولية الجامعة في أن تكون منتجة للمعرفة، لا مستهلكة لها، وأن تمنح البحث العلمي مكانته، وأن تجعل بحوثها متصلة بالأسئلة الحقيقية التي يواجهها المجتمع والاقتصاد. وحين نتحدث عن عُمان التي نريدها في 2040، فإننا نتحدث عن عقول قادرة على قراءة التحولات، وعن دراسات تضيء الخيارات، ورؤى علمية تسند مسيرة التنمية. وهذا مجال تتسع فيه الحاجة إلى صوت الجامعة وخبرتها.

وليس كل ضيف كأي ضيف، وليس كل مكان كأي مكان. فالجامعة التي استقبلت الملوك والرؤساء والعظماء، واحتفظت في ذاكرتها بحكايات حضورهم، تستقبل اليوم صاحب السُّمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد في مناسبة تختصر أربعين عاماً من عمرها، وتفتح أمامها أفقاً جديداً. وبين ذاكرة التأسيس وتطلعات المستقبل، تظل الجامعة أكبر من مناسبة احتفال، وأوسع من تاريخ يُستعاد؛ فهي حكاية وطن اختار أن يستثمر في الإنسان، وأن يجعل من العلم طريقاً إلى غده.

 واليوم في ظل فكر حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أيده الله- تتجدد مسؤولية الجامعة أمام مرحلة تختلف في طبيعتها وتحدياتها؛ مرحلة تتطلب منها أن تواصل تطوير تجربتها، وتجدد أدواتها، وأن تظل قادرة على مواكبة طموحات عُمان وما تتطلع إليه أجيالها القادمة.

في الختام.. في قلاع عُمان وحصونها شواهد على ما صنعته الأجيال التي سبقتنا، وفي جامعة السلطان قابوس شاهد على ما اختار هذا الوطن أن يصنعه لأجياله القادمة. فكما تحفظ القلاع ملامح التاريخ، تسهم الجامعة في تشكيل ملامح المستقبل، فكما تحفظ القلاع ملامح التاريخ، تسهم الجامعة في تشكيل ملامح المستقبل، بما ترفد به الوطن من كفاءات، وما تقدمه من معرفة وخبرة. وبين عراقة الماضي وطموح المستقبل، تظل الجامعة معلماً وطنياً يعكس إيمان عُمان بالعلم، واعتزازها بما تصنعه عقول أبنائها.

الأكثر قراءة

z