الطليعة الشحرية
حين نتحدث عن التنمية المحلية، غالبًا ما ينصرف التفكير إلى المشروعات التي تُنفذ في المحافظات، وحجم المخصصات المالية التي تُرصد لها، والطرق والمرافق والخدمات التي تصل إلى سكانها. وهي عناصر أساسية لا يمكن التقليل من أهميتها، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال أكثر عمقًا: هل المحافظة مجرد نطاق جغرافي تتوزع داخله المشروعات الحكومية والاستثمارات، أم يمكن أن تصبح فاعلًا تنمويًا يمتلك القدرة على اكتشاف فرصه الاقتصادية والمشاركة في صياغة مستقبله؟ وبين هذين التصورين تتحدد طبيعة العلاقة بين الإدارة المحلية والتنمية؛ فالأول ينظر إلى المكان بوصفه وجهة للإنفاق، بينما ينظر إليه الثاني بوصفه مصدرًا للمعرفة والموارد والمبادرات والقيمة الاقتصادية.
وقد قادتنا المقالات السابقة من هذه السلسلة إلى هذا السؤال عبر مسار بدأ بفهم العلاقة بين المركز والمستويات المحلية في الصين، ثم انتقل إلى التجريب التنموي وتحول القرى إلى مجتمعات منتجة، وصولًا إلى استقطاب الشباب وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان. وفي المقال الخامس، توقفنا عند حدود الاستفادة من التجارب الدولية، وخلصنا إلى أن نجاح نموذج في بيئة معينة لا يضمن نجاحه في بيئة أخرى، وأن القيمة الحقيقية للتعلم تكمن في فهم المبادئ التي صنعت التجربة لا في استنساخ نتائجها. ومن هنا يصبح الانتقال إلى عُمان ضرورة فكرية، لا مجرد انتقال جغرافي في موضوع السلسلة؛ لأن السؤال لم يعد كيف نطبق ما فعلته الصين، وإنما كيف نطور من واقعنا نموذجًا يسمح للمحافظات بأن تشارك بصورة أعمق في إنتاج التنمية.
ولا يعني الحديث عن «المحافظة المنتجة» اختزال دور المحافظة في النشاط الاقتصادي، أو التعامل معها بوصفها مؤسسة تجارية يُقاس نجاحها بحجم الإيرادات والأرباح. فالمحافظة، قبل كل شيء، فضاء اجتماعي وإداري يضم سكانًا ومؤسسات وخدمات وموارد وعلاقات تاريخية وثقافية. كما أن مسؤولية الدولة في ضمان الخدمات الأساسية والعدالة الاجتماعية لا يمكن أن تُستبدل بمنطق الجدوى التجارية. لكن المحافظة المنتجة، بالمعنى التنموي، هي المحافظة التي لا تكتفي باستقبال المشروعات، بل تستطيع المساهمة في تحديد أولوياتها، وربط مواردها بفرص الاستثمار، وتطوير الشراكات التي تحول الإمكانات المحلية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
ويقتضي هذا التصور إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها الموارد المحلية. فكثيرًا ما تُعرَّف المحافظات من خلال ما تمتلكه من ثروات طبيعية أو مواقع سياحية أو منتجات زراعية أو صناعات حرفية، وكأن وجود المورد يمثل في ذاته فرصة اقتصادية مكتملة. غير أن المورد لا يتحول إلى قيمة مضافة لمجرد وجوده؛ فقد تمتلك منطقة إنتاجًا زراعيًا متميزًا، لكنها تفتقر إلى مرافق التصنيع والتخزين والتسويق، وقد تتمتع أخرى بمقومات سياحية استثنائية دون أن تمتلك خدمات قادرة على استيعاب الزوار أو إطالة مدة إقامتهم، بينما قد تقع منطقة ثالثة على مسار لوجستي مهم دون أن تستفيد منشآتها الصغيرة والمتوسطة من الحركة التجارية التي تمر بالقرب منها. ولذلك فإن السؤال التنموي الحقيقي لا يتعلق بما تملكه المحافظة وحده، وإنما بما تستطيع أن تفعله بما تملكه.
وفي هذا السياق، يصبح مفهوم الميزة النسبية نقطة انطلاق ضرورية، لكنه ليس نهاية التحليل. فالميزة الطبيعية أو الجغرافية قد تمنح المنطقة فرصة أولية، غير أن تحويلها إلى قدرة تنافسية يتطلب مهارات واستثمارات وتقنيات وأسواقًا ومؤسسات قادرة على التنسيق. وقد تكون المحافظة غنية بموارد معينة، لكنها تحقق قيمة اقتصادية محدودة لأن الأنشطة المرتبطة بهذه الموارد تتوقف عند مراحل الإنتاج الأولي، بينما تنتقل عمليات التصنيع والتعبئة والتسويق والخدمات إلى مناطق أخرى. ولا تكمن المشكلة هنا بالضرورة في انتقال النشاط بين المحافظات، فالتكامل الاقتصادي أمر طبيعي ومفيد، وإنما في غياب تصور واضح للدور الذي تستطيع المحافظة أن تؤديه داخل سلسلة القيمة، وكيف يمكن لسكانها ومؤسساتها الاستفادة من ذلك الدور.
وتتيح الجغرافيا العُمانية مجالًا واسعًا للتفكير في هذه المسألة. فمحافظة ظفار، على سبيل المثال، لا تختزل إمكاناتها في موسم الخريف أو النشاط السياحي المرتبط به؛ إذ تمتلك موارد زراعية وبحرية وموقعًا لوجستيًا وتاريخًا تجاريًا وثقافيًا يمكن أن تتشكل حوله أنشطة إنتاجية وخدمية متنوعة. ومحافظة مسندم، بخصوصيتها الجغرافية وموقعها البحري، تطرح فرصًا وتحديات تختلف عن تلك التي تواجهها المحافظات الداخلية. أما محافظتا شمال الباطنة وجنوب الباطنة، فتتداخل فيهما الأنشطة الساحلية والزراعية والصناعية والخدمية، بينما تمتلك الداخلية والظاهرة وشمال الشرقية وجنوب الشرقية والوسطى والبريمي ومسقط خصائص اقتصادية وعمرانية وسكانية متفاوتة. ولا تعني الإشارة إلى هذا التنوع أن لكل محافظة قطاعًا اقتصاديًا واحدًا ينبغي أن تتخصص فيه، بل تؤكد أن تصميم التنمية لا يمكن أن ينطلق من افتراض تشابه الاحتياجات والفرص بين جميع المناطق.
وهنا يظهر أحد التحديات المرتبطة بالتخطيط المحلي، ويتمثل في الفرق بين توزيع المشروعات وتكوين المنظومات الاقتصادية. فقد تُنشأ في محافظة ما مجموعة من المشروعات المتفرقة، ويحقق كل منها أهدافًا محددة، لكن أثرها الكلي يظل محدودًا إذا لم تنشأ بينها روابط إنتاجية وتجارية ومؤسسية. وعلى العكس، قد يؤدي تطوير نشاط اقتصادي واحد ضمن سلسلة مترابطة من الخدمات والموردين والمشروعات الصغيرة والتدريب والتسويق إلى خلق فرص أوسع من تلك التي تنتجها مشروعات أكبر حجمًا لكنها تعمل بصورة منعزلة. ولذلك فإن المحافظة المنتجة لا تُقاس بعدد المشروعات التي تستضيفها، بل بقدرتها على بناء علاقات تجعل النشاط الاقتصادي يولّد أنشطة أخرى، وتسمح بتراكم الخبرة والقيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي والوطني.
ولنأخذ مثالًا افتراضيًا من قطاع الثروة السمكية. فقد تمتلك ولاية ساحلية نشاطًا ملحوظًا في الصيد، لكن مساهمتها الاقتصادية قد تبقى محدودة إذا اقتصر دورها على إنزال الأسماك وبيعها في صورتها الأولية. أما إذا ارتبط هذا النشاط بخدمات التبريد والتخزين والتصنيع الغذائي والتعبئة والنقل والتسويق والتدريب الفني، فإن سلسلة القيمة تصبح أكثر تنوعًا، وقد تنشأ حولها فرص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. غير أن بناء هذه المنظومة لا يعني ضرورة إقامة جميع مراحلها في الولاية نفسها؛ فقد يكون من الأكثر كفاءة توزيع الأنشطة بين عدة ولايات أو محافظات وفق الموقع والبنية الأساسية وحجم الإنتاج والطلب. وهنا تتجلى أهمية التخطيط المحلي القادر على التفكير خارج الحدود الإدارية الضيقة، دون أن يفقد ارتباطه بمصالح المجتمع الذي ينطلق منه.
ويمكن تطبيق المنطق نفسه على الزراعة والسياحة والصناعات الحرفية والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي. فالمسألة لا تبدأ بالسؤال عن المشروع الذي يمكن تمويله، وإنما عن المشكلة الاقتصادية التي ينبغي حلها أو الفرصة التي يمكن تطويرها. هل تكمن العقبة في ضعف التسويق، أم في غياب المهارات، أم في ارتفاع تكاليف النقل، أم في محدودية الوصول إلى التمويل، أم في عدم وجود جهة تنسق بين المنتجين والمستثمرين والأسواق؟ وقد تكون الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر قيمة من إضافة مشروع جديد إلى قائمة المشروعات القائمة، لأن التنمية الاقتصادية لا تتحقق دائمًا بزيادة الأصول المادية، بل قد تتحقق بتحسين العلاقات التي تربط الأصول الموجودة بعضها ببعض.
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يحمله عنوان هذا المقال: ماذا لو أعطينا المكان فرصة أن يفكر؟ والمقصود هنا ليس إضفاء صفة بشرية على الجغرافيا، وإنما الاعتراف بأن المعرفة التنموية لا توجد في المؤسسات المركزية وحدها، بل تتوزع بين السكان والمنتجين ورواد الأعمال والجامعات والمؤسسات المحلية والفاعلين الاجتماعيين. فالمزارع يعرف تحديات الإنتاج التي يواجهها، وصاحب المؤسسة الصغيرة يعرف العقبات التي تحد من توسع نشاطه، والشاب الباحث عن عمل يمتلك تصورًا عن المهارات والفرص التي يحتاج إليها، بينما تستطيع المؤسسات العامة أن تربط هذه المعارف بالبيانات والسياسات والموارد المتاحة. وعندما تُجمع هذه الخبرات ضمن عملية منظمة لصناعة القرار، يصبح المكان قادرًا على التعبير عن احتياجاته وفرصه بصورة أكثر دقة.
لكن المشاركة المجتمعية لا تحقق أثرها بمجرد عقد الاجتماعات أو تنظيم الحوارات العامة. فقد تستمع المؤسسات إلى آراء السكان دون أن تتغير أولويات المشروعات أو آليات تنفيذها، وقد تتحول المشاركة إلى إجراء شكلي إذا لم ترتبط بصلاحيات واضحة وموارد قابلة للتوظيف ومسؤوليات محددة. ولذلك فإن بناء المحافظة المنتجة يحتاج إلى الانتقال من المشاركة بوصفها مناسبة للاستماع إلى المشاركة بوصفها جزءًا من دورة التخطيط والتنفيذ والتقييم. وهذا يتطلب تحديد كيفية جمع المقترحات، ودراسة جدواها، وترتيب أولوياتها، وإعلان أسباب قبولها أو رفضها، ثم متابعة نتائج ما يُنفذ منها.
وفي هذا الإطار، يكتسب تطوير القدرات المؤسسية المحلية أهمية لا تقل عن توسيع الصلاحيات. فالمحافظة التي تمتلك مساحة أكبر لاتخاذ القرار، لكنها تفتقر إلى الكفاءات المتخصصة والبيانات الاقتصادية وأدوات التقييم، قد تواجه صعوبة في تحويل تلك الصلاحيات إلى نتائج ملموسة. كما أن توافر التمويل دون وجود مشروعات مدروسة قد يؤدي إلى إنفاق لا يحقق الأثر المتوقع. ولهذا فإن اللامركزية التنموية لا تختزل في نقل الاختصاصات أو زيادة المخصصات، بل تتطلب بناء قدرة محلية على تحديد المشكلات وتصميم الحلول وإدارة الموارد والتعاقد مع الشركاء وقياس النتائج.
وتبدو هذه المسألة ذات أهمية خاصة في ظل التحولات التي تشهدها الإدارة المحلية في سلطنة عُمان، والاهتمام المتزايد بأدوار المحافظات ضمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040». فقد أصبحت العلاقة بين التنمية الوطنية والتنمية المحلية أكثر حضورًا في النقاش العام، غير أن تطوير هذه العلاقة يحتاج إلى تصور يتجاوز النظر إلى المحافظات بوصفها وحدات لتنفيذ البرامج المركزية. فالمحافظة تستطيع أن تكون شريكًا في اكتشاف الفرص الاقتصادية وتطويرها، مع بقاء التخطيط الوطني مسؤولًا عن تحقيق التكامل بين المناطق وضمان العدالة في توزيع الخدمات والموارد والاستثمارات الاستراتيجية.
ولا يعني هذا التصور الدعوة إلى استقلال اقتصادي للمحافظات أو إلى منافسة غير منظمة بينها. فالاقتصاد الوطني منظومة مترابطة، وقد تكون مصلحة محافظة معينة مرتبطة بنجاح نشاط اقتصادي يقع في محافظة أخرى. كما أن بعض الخدمات والمشروعات تتطلب حجمًا من الاستثمار أو الخبرة لا يمكن توفيره بكفاءة على المستوى المحلي وحده. ومن هنا فإن المحافظة المنتجة لا تسعى إلى الاكتفاء الذاتي، وإنما إلى تحديد مساهمتها الأكثر جدوى ضمن الاقتصاد الوطني، وبناء علاقات تكامل مع المحافظات الأخرى والقطاع الخاص والمؤسسات المركزية.
ويستدعي ذلك إعادة التفكير في مؤشرات النجاح التنموي على المستوى المحلي. فحجم الإنفاق المنفذ ونسبة إنجاز المشروعات يمثلان مؤشرين إداريين مهمين، لكنهما لا يكفيان لقياس التحول الاقتصادي. وقد يكون من الضروري النظر أيضًا إلى عدد الوظائف المستدامة التي نشأت، وحجم القيمة المضافة التي تولدت محليًا، ونمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوسع وصول المنتجين إلى الأسواق، ومدى مشاركة الشباب والنساء، وكفاءة استخدام الموارد، ومستوى رضا السكان عن الخدمات والفرص المتاحة. ولا ينبغي التعامل مع هذه المؤشرات بصورة منفصلة، بل بوصفها أدوات تساعد على فهم ما إذا كانت المشروعات تحقق تغيرًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد المحلي.
وتبرز هنا أهمية البيانات بوصفها أساسًا لاتخاذ القرار، لا مجرد وسيلة لإعداد التقارير. فالمحافظة التي لا تمتلك صورة دقيقة عن أنشطتها الاقتصادية ومواردها البشرية واحتياجات مؤسساتها الصغيرة قد تجد نفسها أمام خيارات استثمارية تقوم على الانطباعات أو على تكرار تجارب مناطق أخرى. أما عندما تتوافر بيانات محدثة عن الإنتاج والأسواق والمهارات والبطالة والموارد والبنية الأساسية، فإن التخطيط يصبح أكثر قدرة على تحديد الفجوات والفرص واختبار جدوى التدخلات المقترحة. غير أن جمع البيانات وحده لا يكفي؛ إذ ينبغي أن تتحول إلى معرفة عملية تساعد على توجيه القرارات وتقييم نتائجها.
ومن هذا المنظور، قد يكون من المفيد أن تطور كل محافظة تصورًا اقتصاديًا يحدد عددًا محدودًا من الأولويات القابلة للقياس، بدل توزيع الجهود على قائمة واسعة من المشروعات غير المترابطة. ولا ينبغي أن تُحدد هذه الأولويات بصورة نهائية أو جامدة، بل أن تخضع للمراجعة وفق تغير الأسواق والظروف الاقتصادية ونتائج التجارب المحلية. فقد تنجح مبادرة في ولاية معينة وتكشف إمكان توسيعها، بينما تظهر مبادرة أخرى محدودية الطلب أو ارتفاع التكاليف، ويصبح إيقافها أو تعديلها قرارًا تنمويًا مسؤولًا لا دليلًا على الإخفاق. وهنا يمكن الاستفادة من المنطق الذي تناولناه في التجربة الصينية: اختبار الحلول على نطاق مناسب، والتعلم من النتائج قبل التوسع في الإنفاق والتعميم.
لكن تحويل هذه الأفكار إلى واقع يتطلب معالجة العلاقة بين التمويل والمساءلة. فالتمويل المحلي ينبغي أن يرتبط بأهداف واضحة ونتائج قابلة للتقييم، وأن يسمح في الوقت نفسه بقدر من المرونة الضرورية للاستجابة لخصوصية كل منطقة. كما أن وجود موارد مالية لا يعفي المؤسسات من مسؤولية اختيار المشروعات وفق معايير الجدوى والأثر الاجتماعي والبيئي. وقد يكون من الأكثر فاعلية تخصيص جزء من الموارد لتطوير القدرات المحلية وإعداد دراسات السوق وبناء الشراكات، بدل توجيه معظم التمويل إلى الأصول المادية التي قد لا تتوافر لها منظومة تشغيل مستدامة.
وتتصل بذلك ضرورة التمييز بين الاستثمار التنموي والإنفاق الخدمي. فهناك خدمات أساسية يجب توفيرها للسكان باعتبارها جزءًا من مسؤوليات الدولة، بصرف النظر عن قدرتها على تحقيق عائد مالي مباشر، بينما تخضع المشروعات الاقتصادية لمعايير أخرى تتعلق بالجدوى والطلب والمخاطر وفرص النمو. والخلط بين المجالين قد يؤدي إلى تحميل المشروعات الاقتصادية أهدافًا اجتماعية لا تستطيع تحقيقها بكفاءة، أو إلى تقييم الخدمات العامة بمنطق الربحية وحده. ولذلك فإن المحافظة المنتجة تحتاج إلى رؤية تجمع بين ضمان مستوى مناسب من الخدمات الأساسية وتطوير فرص اقتصادية قادرة على الاستمرار.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن دور القطاع الخاص، خصوصًا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل حلقة مهمة بين الموارد المحلية والأسواق. فقد تمتلك المحافظة موارد وفرصًا واضحة، لكن تحويلها إلى مشروعات يتطلب مبادرين ومستثمرين ومهارات إدارية وقدرة على تحمل المخاطر. وهنا لا ينبغي أن يقتصر دور المؤسسات المحلية على تقديم الحوافز أو تسهيل الإجراءات، بل يمكن أن يمتد إلى بناء منصات للتعاون بين المنتجين والمستثمرين والجامعات ومراكز التدريب والجهات التمويلية، بما يساعد على معالجة الفجوات التي تعوق نمو الأنشطة الاقتصادية.
وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول تشجيع القطاع الخاص إلى انسحاب المؤسسات العامة من مسؤولياتها التنموية، أو إلى افتراض أن السوق قادر بمفرده على معالجة الفوارق بين المناطق. فبعض المحافظات قد تمتلك فرصًا استثمارية جذابة بحكم موقعها أو حجم سوقها، بينما تحتاج محافظات أخرى إلى تدخلات تأسيسية في البنية الأساسية والمهارات والخدمات قبل أن تصبح مشروعاتها قابلة للاستثمار. ومن هنا تبرز أهمية الدور الوطني في ضمان العدالة التنموية، مع إتاحة المجال للمبادرات المحلية كي تطور حلولًا تتناسب مع احتياجاتها.
ولعل أحد أكثر الجوانب أهمية في هذا التصور هو موقع الإنسان داخل العملية التنموية. فالمحافظة المنتجة لا تعني فقط زيادة إنتاج السلع والخدمات، بل توسيع قدرة السكان على المشاركة في النشاط الاقتصادي والاستفادة من عوائده. وقد تحقق منطقة ما نموًا في الاستثمارات دون أن ينعكس ذلك بالقدر الكافي على فرص العمل المحلية، أو قد تنشأ مشروعات ناجحة تعتمد بصورة محدودة على المهارات المتوافرة لدى سكانها. ولذلك فإن ربط الاستثمار بالتعليم والتدريب وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية يمثل شرطًا أساسيًا حتى لا يصبح النمو الاقتصادي منفصلًا عن التنمية الاجتماعية.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية عند النظر إلى الشباب الذين يغادرون ولاياتهم ومحافظاتهم بحثًا عن فرص التعليم والعمل. فليس المطلوب إقناعهم بالبقاء أو العودة لمجرد الارتباط العاطفي بالمكان، وإنما بناء اقتصاد محلي يوفر خيارات مهنية واقعية. وقد لا تستطيع جميع المحافظات استيعاب مختلف التخصصات والمهارات، كما أن انتقال الأفراد بين المناطق يمثل جزءًا طبيعيًا من الاقتصاد الحديث. لكن تطوير فرص محلية متنوعة يمكن أن يقلل من الاضطرار إلى الهجرة بسبب غياب البدائل، ويسمح في الوقت نفسه بعودة الخبرات أو ارتباطها بمشروعات اقتصادية داخل مجتمعاتها الأصلية.
ومن هنا يصبح السؤال عن المحافظة المنتجة سؤالًا عن كيفية تنظيم العلاقة بين الموارد والمؤسسات والإنسان. فالموارد وحدها لا تنتج التنمية، والمؤسسات لا تستطيع العمل بكفاءة دون معرفة محلية، والمشاركة المجتمعية لا تحقق أثرًا مستدامًا دون أدوات تنفيذ وتمويل ومساءلة. وعندما تتكامل هذه العناصر، تبدأ المحافظة في الانتقال من كونها مساحة لتوزيع المشروعات إلى مساحة لإنتاج المعرفة والفرص والشراكات والقيمة الاقتصادية.
وقد يبدو هذا التحول في ظاهره مسألة إدارية أو اقتصادية، لكنه يحمل في جوهره تصورًا مختلفًا للعلاقة بين المواطن والدولة والمكان. فالمواطن لا يعود مجرد مستفيد من الخدمات، بل يصبح شريكًا في تحديد الاحتياجات واقتراح الحلول والمشاركة في تنفيذ المبادرات ومراقبة نتائجها. والمؤسسات المحلية لا تقتصر مهمتها على إدارة المرافق ومتابعة المشروعات، بل تتطور قدرتها على التنسيق بين المصالح والموارد والفرص. أما الدولة، فتظل الإطار الذي يضمن وحدة الرؤية والتكامل بين المناطق والعدالة في توزيع الحقوق والفرص.
وفي هذا السياق، لا تكون المحافظة المنتجة نموذجًا جاهزًا يمكن تطبيقه بالصيغة نفسها في جميع المحافظات العُمانية، وإنما منهجًا يسمح لكل محافظة باكتشاف أولوياتها وأدوارها الاقتصادية ضمن منظومة وطنية مشتركة. وقد تختلف الأدوات والقطاعات والمشروعات من منطقة إلى أخرى، لكن المبادئ الأساسية تظل متقاربة: معرفة دقيقة بالموارد والاحتياجات، ومشاركة فعلية للمجتمع، وقدرات مؤسسية قادرة على التخطيط والتنفيذ، وشراكات اقتصادية منتجة، ومؤشرات واضحة لقياس الأثر.
وهذا التصور يفتح المجال أمام سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحويل هذه المبادئ إلى إطار عملي يجمع المحافظات والولايات والقرى، دون أن يلغي خصوصية أي منها أو يحول التنمية المحلية إلى مجموعة من المبادرات المنفصلة. فالتحدي لا يتمثل في أن تنجح محافظة واحدة أو أن تظهر مشروعات متميزة في عدد من الولايات، وإنما في بناء علاقات اقتصادية واجتماعية ومؤسسية تسمح بانتقال المعرفة وتكامل الموارد وتوزيع الفرص، بحيث يصبح نجاح المكان جزءًا من نجاح المنظومة الوطنية كلها.
فالمحافظة المنتجة ليست المحافظة التي تنفق أكثر، ولا التي تمتلك موارد أكثر، وإنما التي تستطيع تحويل ما لديها من موارد ومعرفة وطاقات بشرية إلى فرص مستدامة، وتعرف كيف تربط نجاحها بنجاح غيرها.
وحين نمنح المكان فرصة أن يفكر، فإننا لا نمنحه سلطة منفصلة عن الدولة، بل نعترف بأن التنمية الوطنية تصبح أكثر قدرة على الاستجابة للواقع عندما تشارك المجتمعات المحلية في إنتاج المعرفة والقرار والفرصة. وعندئذ لا تعود المحافظات مجرد نقاط على خريطة توزيع المشروعات، بل تتحول إلى أطراف فاعلة في بناء الاقتصاد الوطني.
ولعل التحدي الذي يستحق التفكير الآن هو كيفية نسج هذه الأطراف في إطار تنموي واحد؛ إطار لا يذيب اختلاف المحافظات، ولا يتركها تعمل بمعزل عن بعضها، بل يحول تنوعها إلى مصدر للقوة الاقتصادية والاجتماعية.
فالتنمية لا تحتاج إلى أن تتشابه الأماكن، بل إلى أن تتكامل قدراتها؛ وعندما يعرف كل مكان ما يستطيع أن يقدمه، يصبح الوطن كله أكثر قدرة على الإنتاج.
