"حوار المنامة".. من تشخيص المخاطر إلى بناء استراتيجية خليجية مشتركة

عبدالنبي الشعلة

نجحت مملكة البحرين مرة أخرى في تنظيم منتدى حوار المنامة، في وقت تشهد فيه المنطقة، وكثير من دول العالم، تحولات عميقة ومتغيرات جيوسياسية وتحديات غير مسبوقة تمس منظومة الأمن والاستقرار. وقد عكست نقاشات المنتدى حجم القلق من احتمالات تجدد المواجهة في منطقة الخليج، وأهمية التضامن مع دول الخليج العربية في مواجهة التهديدات والاعتداءات الآثمة، إلى جانب الدعوة إلى تعزيز الأمن الإقليمي والتنسيق السياسي والدفاعي، واحترام سيادة الدول، وحماية حرية الملاحة، وخفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية.

لكن قيمة الحوار لا تقاس بما يطرحه من مواقف فحسب، بل بما يفتح أمامنا من أسئلة حول قدرتنا على تحويل هذا التشخيص إلى ترتيبات عملية. فالأمن الإقليمي لا يستقيم بإعلان التضامن وحده، ولا تكفي الدعوات إلى خفض التصعيد إذا لم تسندها جاهزية دفاعية، وتنسيق وثيق، وآليات واضحة للتعامل مع التهديدات. ومن هنا، أرى أن منتدى حوار المنامة ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة ما راكمته دول الخليج من تجارب، وللتفكير في مستقبل أمنها المشترك بقدر أكبر من الوضوح والجدية.

لقد اهتزت قواعد الأمن والاستقرار في حوض الخليج العربي منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 في إسقاط نظام الشاه، ورفع شعارات تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول المجاورة. ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، بما شهدته من تدمير للمدن والمنشآت والناقلات، وخسائر بشرية ومادية فادحة على مدى ثماني سنوات، لتنتهي عام 1988 من دون تحقيق انتصار حاسم لأي من الطرفين. وكان ينبغي لهذه التطورات أن تدفع دول الخليج إلى استنتاج مبكر بأن المنطقة دخلت مرحلة لا يمكن فيها التعامل مع الأمن بوصفه أمرًا مضمونًا أو ثابتًا.

وقد جاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، ثم إنشاء قوة درع الجزيرة، وتوثيق العلاقات مع الحلفاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، استجابةً لمخاوف أمنية حقيقية. ولا يجوز التقليل من قيمة هذه الخطوات أو ما وفرته من تعاون وحماية. غير أن التحولات المتلاحقة كشفت أن المطلوب كان أوسع من بناء إطار للتعاون أو الاعتماد على الشراكات الخارجية؛ إذ كان المطلوب بلورة استراتيجية دفاعية خليجية متكاملة، تستند إلى رؤية مشتركة للتهديدات، وقدرات منسقة، ومركز لاتخاذ القرار والاستجابة.

ثم جاء احتلال العراق للكويت عام 1990، وما تلاه من حرب تحرير الكويت، وبعد ذلك الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ليؤكد أن استقلال دول المنطقة وأمنها واستقرارها ليست بمنأى عن الخطر. وكانت تلك المحطات أجراس إنذار متكررة، تستدعي مراجعة بنية التفكير الأمني الخليجي، في ظل بيئة تتغير فيها طبيعة الصراعات ومصادر التهديد، وتتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاقتصادية والتكنولوجية، وتتزايد فيها أهمية حماية البنى التحتية والممرات البحرية ومصادر الطاقة.

ولا يمكننا، بعد ما شهدته المنطقة مؤخرًا من مواجهات عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، أن نقول إن دول الخليج فوجئت بما جرى أو لم تكن تدرك احتمال اتساع نطاقه. فقد تعرضت مدن ومنشآت في المنطقة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وأصبح المواطن الخليجي يشعر بأن بلاده باتت أقرب إلى ميادين الصراع من أي وقت مضى. وهذه التجربة تفرض علينا قراءة طبيعة حروب هذا العصر، وإدراك أن النماذج الدفاعية التقليدية وحدها لم تعد كافية لمواجهة تهديدات سريعة ومتعددة المصادر.

إن مراجعة التفكير الأمني لا تعني التخلي عن التحالفات أو التقليل من دورها، كما لا تعني السعي إلى سباق تسلح أو الدخول في مواجهات لا نريدها. بل تعني أن نحدد بوضوح ما نستطيع القيام به جماعيًا، من خلال تبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتنسيق الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتطوير القدرات التقنية، ووضع آليات مشتركة لإدارة الأزمات. كما تشمل تعزيز الصمود المجتمعي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ورفع مستوى الوعي والاستعداد لدى المؤسسات والأفراد.

ويظل هدفنا الأول منع الحروب وتجنب المواجهات العسكرية. فاستراتيجيتنا ينبغي أن تبقى دفاعية، قائمة على احترام سيادة الدول، وحسن الجوار، ورفض التدخل والابتزاز، وتغليب الحوار والدبلوماسية. لكن الحرص على السلام لا يعفينا من واجب الاستعداد؛ بل إن الجاهزية المشتركة قد تكون من أهم الوسائل التي تحمي السلام، لأنها تقلل فرص الاعتداء وتحد من إغراء اختبار تماسك دول المنطقة.

وهنا تبرز مسؤولية دول مجلس التعاون في الانتقال من تبادل التقديرات إلى بناء قدرة عملية مشتركة، ومن الاكتفاء بالتوافق في المبادئ إلى وضع خطط قابلة للتنفيذ. إن أمن الخليج مسؤولية جماعية، ولا تكتمل أركانه إلا بتماسك جبهته الداخلية، وتعزيز قدراته الذاتية، وتوثيق شراكاته، والاستعداد لتنسيق الرد إذا فُرضت عليه المواجهة.

لقد أتاح حوار المنامة مساحة مهمة للتأمل في هذه التحديات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد أن اختُتمت جلساته. فهل نستطيع أن نحول إدراك المخاطر إلى استراتيجية خليجية مشتركة، قادرة على حماية شعوبنا وصون سيادتنا ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في اجتماعاتنا المقبلة، وأن تُقاس به جدية ما نتخذه من خطوات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z