واشنطن - وكالات
يفتح فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي الكونغرس الأمريكي، بالتزامن مع صعود عدد من النواب العرب والمسلمين والتيار التقدمي في انتخابات التجديد النصفي، الباب أمام تحولات محتملة في المشهد السياسي الأمريكي، خصوصًا فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية لإسرائيل، والحرب على إيران، والإنفاق الدفاعي، إلى جانب ملفات الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة.
غير أن انتقال الأغلبية التشريعية إلى الديمقراطيين لا يعني امتلاكهم جميع أدوات الحكم، إذ يظل الرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض محتفظًا بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة، ما يجعل قدرة الأغلبية الجديدة على تنفيذ وعودها مرهونة بالتوازن بين السلطات، والتوافقات داخل الكونغرس، والقدرة على تجاوز الاعتراضات الرئاسية.
وتبرز أهمية هذه النتائج في ضوء وصول شخصيات عربية ومسلمة وتقدمية إلى المؤسسة التشريعية، من بينها عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم «عبدول»، الذي يستعد لبدء ولايته في مجلس الشيوخ في 3 يناير 2027، وسط تساؤلات بشأن حدود قدرته على تحويل تعهداته الانتخابية إلى سياسات وتشريعات فعلية.
يقوم النظام السياسي الأمريكي على الفيدرالية، التي توزع السلطات بين الحكومة المركزية في واشنطن وحكومات الولايات الخمسين، حيث يتولى الكونغرس الفيدرالي سن القوانين على المستوى الوطني، بينما تختص المجالس التشريعية في الولايات بإصدار التشريعات المنظمة للشؤون المحلية.
ويتكون الكونغرس من مجلسين؛ الأول مجلس النواب، ويضم 435 عضوًا يُنتخبون لمدة عامين، والثاني مجلس الشيوخ، ويتألف من 100 عضو، بواقع عضوين عن كل ولاية، وتبلغ مدة عضوية كل منهم ست سنوات، مع تجديد نحو ثلث المقاعد كل عامين.
وعلى مستوى الولايات، تمتلك 49 ولاية مجلسًا للنواب وآخر للشيوخ، فيما تنفرد ولاية نبراسكا بمجلس تشريعي واحد. ويبلغ إجمالي المقاعد التشريعية في الولايات 7386 مقعدًا، جرى التنافس على 6139 منها خلال انتخابات نوفمبر 2026، وفق بيانات المؤتمر الوطني للمجالس التشريعية للولايات.
يشترك مجلسا النواب والشيوخ في صلاحية سن التشريعات الفيدرالية وإقرار الإنفاق الحكومي، إذ يتطلب تمرير القوانين، في المعتاد، موافقة المجلسين على النص نفسه، ثم توقيع الرئيس، أو تجاوز اعتراضه بأغلبية الثلثين في كلا المجلسين.
لكن لكل مجلس اختصاصات منفردة؛ إذ ينفرد مجلس الشيوخ بالمصادقة على تعيين الوزراء والسفراء والقضاة الفيدراليين، إلى جانب التصديق على المعاهدات الدولية بأغلبية الثلثين من الأعضاء الحاضرين.
في المقابل، يختص مجلس النواب ببدء مشروعات القوانين المتعلقة بالإيرادات والضرائب، وتوجيه الاتهامات الدستورية للمسؤولين تمهيدًا لعزلهم، بينما يتولى مجلس الشيوخ إجراء محاكمات العزل والفصل فيها.
وتمنح هذه الصلاحيات المجلسين أدوات مختلفة للتأثير في قرارات الإدارة الأمريكية، سواء من خلال التشريع أو التمويل أو الرقابة على أداء المؤسسات التنفيذية.
يُعد ملف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل من أبرز الملفات التي يمكن أن تشهد ضغوطًا تشريعية مع انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، إذ لا تمثل هذه المساعدات التزامًا ماليًا خارج نطاق سلطة الكونغرس، رغم وجود اتفاقات طويلة الأجل بين واشنطن وتل أبيب.
وتنص مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية للفترة من 2019 إلى 2028 على تقديم مساعدات عسكرية وتعاون دفاعي بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، بواقع 3.8 مليارات دولار سنويًا، تشمل 3.3 مليارات دولار للتمويل العسكري الخارجي ونحو 500 مليون دولار لبرامج الدفاع الصاروخي المشتركة، إلى جانب مساعدات إضافية قد يقرها الكونغرس.
وبموجب صلاحياته المالية والتشريعية، يستطيع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ اقتراح خفض المخصصات العسكرية لإسرائيل، أو رفض إقرار اعتمادات إضافية، أو ربط المساعدات بشروط تتعلق باستخدام الأسلحة والالتزام بقوانين حقوق الإنسان والتشريعات الأمريكية.
وتكتسب هذه الصلاحية أهمية خاصة أن مذكرة التفاهم لا تلزم الكونغرس بإقرار الأموال تلقائيًا، وفق تقرير لمصلحة أبحاث الكونغرس صدر في يونيو 2026، وهو ما يتيح للمشرعين إعادة النظر في حجم المساعدات وشروطها، خصوصًا مع اقتراب انتهاء الاتفاق الحالي في عام 2028.
يمنح قانون مراقبة تصدير الأسلحة الأمريكي الكونغرس صلاحية مراجعة صفقات التسليح الكبرى التي تعلن عنها الإدارة التنفيذية، كما يتيح للمشرعين تقديم قرارات مشتركة لرفض بعض الصفقات خلال فترات المراجعة القانونية المحددة.
وفي حالة إسرائيل، تبلغ مدة المراجعة المعتادة 15 يومًا لبعض الصفقات التي تستوفي شروط الإخطار، ويمكن لأعضاء الكونغرس خلالها التحرك لمنع إتمامها.
وقد استخدم السيناتور المستقل بيرني ساندرز هذه الآلية في مارس 2026، بمشاركة عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، لتقديم قرارات تستهدف وقف صفقات ذخائر لإسرائيل، من بينها صفقة تضمنت 12 ألف قنبلة تزن الواحدة منها ألف رطل، غير أن هذه التحركات لم تنجح في تمرير القرارات.
وتتيح الإجراءات البرلمانية الخاصة في مجلس الشيوخ طرح قرارات رفض صفقات الأسلحة للتصويت دون الخضوع للتعطيل البرلماني المعتاد، لكن نجاحها يتطلب أيضًا موافقة مجلس النواب وتوقيع الرئيس، أو تجاوز اعتراضه بأغلبية الثلثين في المجلسين.
وإلى جانب ذلك، يستطيع أعضاء اللجان المختصة بالشؤون الخارجية والقوات المسلحة والموازنة ممارسة الرقابة على صفقات التسليح، من خلال عقد جلسات الاستماع، ومطالبة الإدارة بتقديم معلومات عن صادرات الأسلحة وأوجه استخدامها، والتحقيق في احتمال مخالفة القوانين الأمريكية.
لا يعني فوز الديمقراطيين بالأغلبية تحولًا تلقائيًا في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، إذ لا يزال الحزب منقسمًا بشأن مستقبل المساعدات العسكرية وطبيعة العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية.
ففي حين يدعو التيار التقدمي، الذي تمثله شخصيات مثل رشيدة طليب وإلهان عمر، إلى وقف الدعم العسكري أو فرض قيود مشددة عليه، يتبنى تيار آخر موقفًا يدعو إلى استمرار المساعدات مع ربطها بشروط تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
وفي المقابل، يتمسك عدد من الديمقراطيين الوسطيين باستمرار التحالف العسكري مع إسرائيل، ويرفضون وقف المساعدات بصورة شاملة، رغم انتقادهم بعض سياسات الحكومات الإسرائيلية.
ويعكس هذا التباين تعدد المواقف داخل الحزب الديمقراطي، ما يعني أن التأثير الأبرز لصعود النواب العرب والمسلمين والتقدميين قد يتمثل في توسيع الكتلة البرلمانية المطالبة بمراجعة المساعدات وصفقات التسليح، وزيادة الضغط السياسي خلال مناقشات الموازنة والتعاون الدفاعي، دون ضمان حصول هذه المطالب على تأييد جميع أعضاء الأغلبية الجديدة.
يمتلك الكونغرس الأمريكي صلاحيات دستورية تتعلق بإعلان الحرب وإقرار التشريعات المنظمة لاستخدام القوة العسكرية وتمويل العمليات القتالية، في حين يتمتع الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بسلطات واسعة في إدارة العمليات العسكرية واتخاذ القرارات التنفيذية المرتبطة بها.
ويمنح قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 الكونغرس أدوات لمراجعة استخدام الرئيس للقوة العسكرية، بما في ذلك التحرك للمطالبة بسحب القوات الأمريكية من العمليات القتالية التي لم يحصل بشأنها على تفويض تشريعي.
وخلال عام 2026، أقر مجلس النواب قرارات تستهدف تقييد العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، لكنها لم تنجح في إنهاء الحرب، إذ لا تكفي موافقة أحد المجلسين وحدها لفرض قرار ملزم على الرئيس.
ومع امتلاك الديمقراطيين الأغلبية في المجلسين، يصبح بإمكانهم إعادة طرح تشريعات تهدف إلى تقييد العمليات العسكرية، أو وضع شروط على أي عمليات جديدة، أو منع استخدام اعتمادات مالية معينة في توسيع نطاق الحرب.
لكن هذه التحركات ستظل تواجه عقبة الاعتراض الرئاسي، إذ يستطيع ترمب استخدام حق النقض ضد التشريعات التي تستهدف تقييد صلاحياته، ما يجعل تجاوز موقفه بحاجة إلى أغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ.
كما يمكن للأغلبية الديمقراطية توسيع نطاق الرقابة البرلمانية على الحرب، من خلال عقد جلسات استماع لمسؤولي وزارتي الدفاع والخارجية وأجهزة الاستخبارات، ومطالبتهم بالكشف عن الأسس القانونية للعمليات العسكرية وتكاليفها وخطط الإدارة المستقبلية.
تمثل سلطة إقرار الموازنة والاعتمادات المالية إحدى أهم أدوات الكونغرس للتأثير في سياسات الإدارة التنفيذية، فالبيت الأبيض يقدم مقترحاته للإنفاق، لكن الكونغرس يملك سلطة تحديد المخصصات القانونية للوزارات والبرامج الحكومية.
ويتيح ذلك للأغلبية الديمقراطية تعديل أولويات الإنفاق، ورفض تمويل بعض المبادرات الجديدة، والتفاوض بشأن مخصصات الدفاع والأمن والخدمات العامة، ووضع قيود على أوجه استخدام الأموال الحكومية.
وتزداد أهمية هذه الصلاحيات في ملف إيران، إذ طلبت إدارة ترمب خلال يونيو 2026 تمويلًا إضافيًا للعمليات العسكرية، تضمن 21 مليار دولار للذخائر و17.3 مليار دولار لتكاليف العمليات، وفق تقرير لمصلحة أبحاث الكونغرس.
وبإمكان الديمقراطيين رفض طلبات التمويل الإضافية، أو اشتراط تقديم تقارير تفصيلية عن الإنفاق العسكري، أو تقييد استخدام الأموال في عمليات محددة، غير أن وقف تمويل العمليات القائمة باستخدام اعتمادات سبق إقرارها قد يكون أكثر تعقيدًا ويتطلب تحركات تشريعية إضافية.
وقد يؤدي الخلاف بين الكونغرس والبيت الأبيض بشأن قوانين الإنفاق إلى تعطيل إقرار الموازنة وإغلاق بعض المؤسسات الحكومية مؤقتًا، بدلًا من الوصول إلى تسوية بشأن أولويات الإنفاق.
تختلف قدرة الأغلبية الديمقراطية على تعطيل قرارات الإدارة بحسب طبيعة القرار والإجراءات الدستورية المنظمة له.
ففي مجلس الشيوخ، يستطيع الديمقراطيون رفض المصادقة على مرشحي ترمب للمناصب الحكومية والقضائية التي تتطلب موافقة المجلس، دون الحاجة إلى موافقة مجلس النواب أو الرئيس على قرار الرفض.
كما يستطيع مجلس النواب منع تمرير مشروعات القوانين التي تعارضها أغلبيته، واستخدام رئاسة اللجان البرلمانية لإجراء التحقيقات واستدعاء المسؤولين ومساءلة الإدارة التنفيذية ضمن الصلاحيات القانونية.
لكن إصدار قوانين جديدة تفرض سياسات مختلفة على الإدارة يتطلب، في المعتاد، موافقة المجلسين وتوقيع الرئيس، أو تجاوز اعتراضه بأغلبية الثلثين.
وبالتالي، فإن انتقال الأغلبية التشريعية إلى الديمقراطيين يمنحهم قدرة أكبر على تعطيل بعض توجهات ترمب ومراقبة إدارته، لكنه لا ينقل إليهم صلاحيات قيادة القوات المسلحة أو إدارة السياسة الخارجية، التي تظل ضمن اختصاصات الرئيس حتى نهاية ولايته.
يبدأ عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، ولايته في مجلس الشيوخ في 3 يناير 2027، ليصبح بإمكانه تقديم مشروعات القوانين والتصويت على التشريعات والموازنة والتعيينات، والمشاركة في أعمال اللجان التي ينضم إليها.
وكان مشروع «ميديكير للجميع» في مقدمة تعهداته الانتخابية، ويستهدف توسيع نطاق نظام التأمين الصحي الحكومي «ميديكير»، الذي يغطي أساسًا كبار السن وبعض الفئات الأخرى، ليشمل جميع الأمريكيين.
ويتضمن المشروع، وفق برنامجه الانتخابي، توفير الخدمات الطبية الضرورية، بما فيها خدمات الأسنان والبصر والسمع، دون أقساط تأمين أو مدفوعات مشتركة أو مبالغ يتحملها المرضى عند تلقي العلاج.
كما تعهد بالعمل على إلغاء الديون الطبية، وتوسيع التغطية الحكومية للأدوية، والتراجع عن تخفيضات التمويل التي أقرتها إدارة ترمب لبرامج «ميديكيد» ودعم التأمين الصحي.
ومن بين مقترحاته أيضًا إعادة هيكلة نموذج عمل وسطاء إدارة منافع الأدوية، الذين يتوسطون في التفاوض بشأن الأسعار وشروط التغطية بين شركات الأدوية والمستشفيات والصيدليات وشركات التأمين، إذ يرى أن هذا النظام يضيف تكاليف غير ضرورية على المرضى.
ويقترح عبدول السيد استبدال آليات أكثر مباشرة وشفافية بهذا النموذج، إلى جانب دعم التصنيع العام لبعض الأدوية الأساسية.
غير أن تنفيذ هذه الوعود يتطلب تشريعات جديدة وتوفير مصادر تمويل مناسبة والحصول على موافقة الكونغرس، فضلًا عن تجاوز العقبات الإجرائية في مجلس الشيوخ، وفي مقدمتها قاعدة التعطيل البرلماني التي تتطلب عادة تأييد 60 عضوًا لإنهاء النقاش حول معظم التشريعات العادية.
أما فيما يتعلق بتكاليف المعيشة، فيمكنه دعم تشريعات لتعزيز المنافسة، وتوسيع قدرة الحكومة على التفاوض مع شركات الأدوية، وزيادة الدعم الموجه إلى الإسكان والرعاية الصحية، لكنه لا يمتلك سلطة مباشرة لخفض الأسعار بقرار منفرد.
ويرتبط هذا الجانب من برنامجه بموقفه من الإنفاق الخارجي، إذ انتقد تخصيص الأموال الأمريكية لدعم الجيش الإسرائيلي، ودعا إلى توجيه موارد أكبر نحو الخدمات العامة والاحتياجات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
تكشف نتائج انتخابات التجديد النصفي أن وصول الديمقراطيين إلى الأغلبية في مجلسي الكونغرس، وصعود النواب العرب والمسلمين والتقدميين، يمنحهم مساحة أوسع للتأثير في السياسات الأمريكية، خصوصًا من خلال التشريع والتمويل والرقابة على أداء الإدارة التنفيذية.
لكن تحويل هذا النفوذ إلى تغييرات فعلية في ملفات المساعدات العسكرية لإسرائيل والحرب على إيران والرعاية الصحية وتكاليف المعيشة سيظل مرتبطًا بقدرة الأغلبية على بناء توافقات داخل الحزب الديمقراطي، وتأمين الأصوات اللازمة لتمرير التشريعات، ومواجهة حق النقض الرئاسي.
وبينما يستطيع الكونغرس تقييد التمويل ومراجعة صفقات السلاح ورفض التعيينات ومساءلة المسؤولين، تبقى إدارة السياسة الخارجية وقيادة العمليات العسكرية بيد الرئيس.
وعليه، فإن التغيير الأبرز لا يتمثل في امتلاك الديمقراطيين سلطة مطلقة لفرض سياساتهم، بل في انتقال مركز الثقل التشريعي والرقابي إليهم، بما يضع إدارة ترمب أمام رقابة أشد وقدرة أكبر على تعطيل بعض قراراتها، دون ضمان فرض بدائل سياسية ما لم تتوافر التوافقات الدستورية اللازمة.
