منى بنت حمد البلوشي
نعيش اليوم في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة بشكل غير مسبوق، وأصبحت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية. وبين متطلبات العمل والدراسة والانشغال بالأجهزة الإلكترونية، حيث باتت الأسرة تواجه تحديات عديدة تؤثر في ترابط أفرادها وتواصلهم. ومن هنا تبرز أهمية المحافظة على تماسك الأسرة، باعتبارها أساس المجتمع ومصدر الاستقرار النفسي والاجتماعي لأفراده أجمع.
لقد أسهم التطور التكنولوجي في تسهيل حياة الإنسان وتوفير الوقت والجهد، فأصبح التواصل مع الآخرين أكثر سهولة، وتعددت وسائل التعلم والعمل والترفيه. ومع ذلك، فإن هذه السرعة قد تحمل بعض الآثار السلبية على الحياة الأسرية، خاصة عندما ينشغل أفراد الأسرة بهواتفهم وأجهزتهم الإلكترونية على حساب الحوار المباشر والجلوس معًا. فقد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، لكن كل فرد منهم يعيش في عالمه الافتراضي الخاص، مما يقلل من فرص التفاهم وتبادل المشاعر والأفكار والخطط المستقبلية.
هنا أكتب مقالتي هذه بعدما استمتعتُ بالاستماع ومشاهدة لمحاضرة جماهيرية مُثرية بعنوان " الأسرة في زمن السرعة" التي قدمها الدكتور عبدالرحمن الحرمي الأسبوع الذي مضى؛ حيث حملت بين طياتها الكثير من العِبر والمواعظ التي أعتبرها من الجواهر التي لا بُد لجميع الآباء والأمهات وحتى الأبناء الاستماع إليها.
حيث أتت المحاضرة بعدة محاور منها: تربية الأبناء ليكون جيل صالح وناجح يتحمل المسؤولية، والتمسك بالإسلام والتراث العُماني الأصيل والقدوة الحسنة من خلال غرس القيم والأخلاق في نفوس الأبناء، والحوار وهو عنصر هام في حياة الأبناء من خلال التواصل الفعّال والمستمر، وغرس الوعي لحماية عقول الأبناء من الأفكار السلبية والانحراف، والحذر من الهاتف والترندات التي تعد من التأثيرات السلبية التي ينساق خلفها بعض الأبناء بلا وعي منهم، وعدم اتخاذ القرارات في حالة غضب قد تهدم ما تم بناءه في لحظة، وتنمية الطموح لدى الأبناء وتشجيعهم على خوض التجارب، وتحديد الأهداف والعمل لتحقيقها دون مقارنة بالآخرين، والدعاء والحب والتربية الصحيحة هي التي تبني جيلًا واعيًا متماسكًا لكونها أسرة قوية، هذا ملخص تلك المحاضرة التي أثرت العقول.
لذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى العصر الحديث نظرة سلبية بالكامل، فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة نافعة لتعزيز الروابط الأسرية إذا أُحسن استخدامها. إذ يستطيع أفراد الأسرة التواصل مع أقاربهم البعيدين، والاستفادة من المصادر التعليمية، وتنظيم شؤون حياتهم بسهولة. لكن تحقيق التوازن يظل أمرًا ضروريًا، حتى لا تتحول هذه الوسائل من أدوات تخدم الإنسان إلى عوامل تسرق وقته وتضعف علاقاته بمن يحب.
ولكي تحافظ الأسرة على تماسكها في زمن السرعة، لا بد من تخصيص وقت يومي للحوار والجلوس معًا بعيدًا عن الهواتف والأجهزة الإلكترونية. كما ينبغي للوالدين أن يكونا قدوة حسنة لأبنائهما في بناء جسور من التفاهم فيما بينهم؛ لتقليل الخلافات الناتجة عن اختلاف الأفكار والتجارب، ومن المهم أيضًا تعزيز قيم الاحترام والتعاون والتسامح، والحرص على إقامة الأنشطة الأسرية المشتركة، حيث أن دور الوالدين لا يقتصر على توفير الاحتياجات المادية فحسب، بل يشمل الاهتمام بالمشاعر والاستماع للأبناء ومنحهم الشعور بالأمان .ولابد من وجود طريق التفكير لتساعد على الانفتاح للأفكار الجديدة ومراجعة الأساليب في طرق التعامل مع الأبناء وعلى تحسين الحياة وتقوية الروابط الأسرية، فالآباء هم القدوة لأبنائهم ولا شيء يأتي دون أن يكون هناك قدوة وقائد، فالقدوة الحسنة لها دور كبير في التربية وبناء شخصية الأبناء.
ومن هنا تبقى الأسرة الركيزة الأساسية لبناء مجتمع متماسك ومستقر، مهما تسارعت وتيرة الحياة وتطورت وسائل التكنولوجيا. فالسعادة الأسرية لا تُقاس بكثرة الممتلكات أو سرعة الإنجاز، بل بمدى ما يسود الأسرة من حب وتفاهم واهتمام متبادل وتربية بالحب ولذلك، علينا أن نجعل التكنولوجيا وسيلة لخدمة حياتنا، لا سببًا في ابتعادنا عن بعضنا، وأن نتذكر دائمًا أن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأسرنا هو الوقت والاهتمام والوجود الصادق، والقدوة والاعتزاز وأن يعتز كل فرد بهويته وثقافته وتقبل اختلاف الآخرين واحترامهم والتمسك بالقيم الإسلامية والأخلاقية والكسب الحلال وتنمية المهارات الحياتية في بناء شخصية الأبناء وإعدادهم للمستقبل، وأن تكون المبادئ ثابتة وراسخة رسوخ الجبال والتكيف مع ظروف الحياة المتغيرة؛ فمهما أسرع الزمن فيجب أن تبقى الأسرة مساحةً للأمان والمحبة والاستقرار والحب والمودة، فنحن في زمن متسارع ولتكن تربيتنا تربية حسنة لإعداد جيل متزن وواعي.
