د. حامد بن عبدالله البلوشي **
تتوالى المناسبات الوطنية؛ مجددة في نفوسنا الاعتزاز بالوطن ومؤسساته، ونستحضر خلالها ما يبذله أبناؤه من جهود في سبيل أمنه واستقراره. وكلما مر بنا الأول من نوفمبر يغمرنا الفخر بيوم الحرس السلطاني العُماني، ويملأ نفوسنا الزهو تقديرا لتلك المؤسسة العسكرية الوطنية، فنستلهم منها قيم الولاء والانضباط والإخلاص في أداء الواجب.
وتتجاوز دلالة هذه المناسبة مظاهر الاحتفال؛ فالأمن والاستقرار ركيزتان أساسيتان لازدهار المجتمع وتقدم مؤسساته. فالبيئة الآمنة مهد للإبداع، وحاضنة للتعلم، وميدان للإنتاج، يستطيع الإنسان خلالها أن يتطور ويرتقي، وتتمكن قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد من مواصلة أدوارها. ومن هنا، فإن جهود المؤسسات العسكرية والأمنية -على اختلاف أدوارها ونطاق عملها واختصاصها- تسهم بلا شك في تهيئة الظروف التي تدعم التنمية وتحفظ المكتسبات الوطنية. فالأمن أساس السعادة، والطمأنينة مناط الإبداع، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منْ أصْبح منْكمْ آمنا في سرْبه، معافى في جسده، عنْده قوت يوْمه، فكأنّما حيزتْ له الدّنْيا».
وبنظرة تاريخية فإن يوم الحرس السلطاني العُماني يرتبط بذكرى تسلم الحرس الراية السلطانية الخاصة في الأول من نوفمبر عام 1983م، وهي مناسبة تستحضر تاريخ المؤسسة ومسيرتها. وقد واكبت مسيرة المؤسسات العسكرية العُمانية تطورا في التنظيم والتدريب والتأهيل، مع المحافظة على التقاليد العسكرية الأصيلة التي تعكس الوقار والانضباط والاعتزاز بالهوية الوطنية.
ويضطلع الحرس السلطاني العُماني بمهام وطنية متعددة في إطار اختصاصاته، من بينها المهام المتصلة بحماية جلالة السلطان -حفظه الله ورعاه-، وتأمين المواقع والمناسبات التي تدخل ضمن مسؤولياته. وتتطلب هذه المهام يقظة واستعدادًا وكفاءة عالية، كما تتكامل مع جهود المؤسسات العسكرية والأمنية الأخرى وفق اختصاصات كل جهة، في سبيل حماية الوطن وصون استقراره.
ولا تقاس قيمة هذه المسيرة بعدد السنوات وحدها، بل بما تقوم عليه من التزام مؤسسي، وتدريب متواصل، وحرص على تطوير القدرات البشرية والفنية. فالمؤسسة الناجحة هي التي تجمع بين أصالة المبادئ وحداثة الوسائل، وتستفيد من خبراتها دون أن تتوقف عن التعلم والتطوير.
وبالنظر إلى المسؤولية المجتمعية التي يحرص عليها الجميع؛ تبرز أهمية الأمن بوصفه أساسا للحياة الكريمة، وشرطا لاستدامة التنمية؛ فهي علاقة تكاملية، وشراكة تضامنية. ولا يعني ذلك الخلط بين الاختصاصات العسكرية والأنشطة الاجتماعية، بل إدراك ووعي بالصلة الوثيقة بين استقرار المجتمع وأمنه من جهة، وقدرته على العطاء والبناء والإنتاج من جهة أخرى. فالمؤسسات التي تؤدي واجباتها بمهنية وانضباط تسهم في تعزيز الثقة العامة، وهي عنصر مهم في تماسك المجتمع.
وتتسع دلالة الخدمة الوطنية لتشمل مختلف ميادين الحياة؛ فالواجب العسكري يجعل صاحبه حريصا على أداء مهامه في حماية الوطن وأمن المواطن، والمعلم يبذل قصارى جهده من أجل تنمية العقول، والطبيب لا يتوانى في صون الأرواح، والباحث لا يدخر وسعا للتحليق في آفاق المعرفة، والعامل لا يبخل بذرة عرق إسهاما في الإنتاج. حيث تتعدد الأدوار، وتبقى الغاية واحدة، حيث تلتقي عند خدمة الإنسان وتحقيق الصالح العام. وحين يتقن كل فرد عمله، ويحترم حقوق الآخرين، ويحافظ على الممتلكات العامة؛ يصبح الانتماء الوطني ممارسة يومية تتجاوز الشعارات إلى الأثر الملموس.
وتحرص مؤسسة الحرس السلطاني العُماني كل الحرص على تطوير قدراتها، ويمثل التدريب والتأهيل المستمر أساسا لبناء الكفاءة والمحافظة على الجاهزية. وتنمية المهارات القيادية والبدنية والمهنية، ومواكبة التطورات التقنية، والاستفادة من الخبرات، تعزز القدرة على أداء المهام بفاعلية. ولا يقل الاهتمام بالإنسان أهمية عن تطوير المعدات؛ فهو الذي يحسن توظيف الإمكانات، ويتخذ القرار المناسب، ويعمل بروح الفريق.
كما أن تقدير جهود المنتسبين لتلك المؤسسة العسكرية العملاقة، والاحتفاء بالمتميزين فيها؛ وتكريم أصحاب الجهد والبذل والعطاء، يعززان ثقافة الاعتراف بالجميل، والوفاء والعرفان لأصحاب الفضل، ويقدمان للأجيال الشابة نماذج في الانضباط وتحمل المسؤولية. وتتيح المناسبات الوطنية فرصة لتعريف الشباب بمؤسسات بلادهم وأدوارها، وترسيخ قناعتهم بأن صون المكتسبات الوطنية واجب مشترك.
في يوم الحرس السلطاني العُماني، نجدد الاعتزاز بمسيرة هذه المؤسسة، ونحيي منتسبيها تقديرا لما يؤدونه من مهام وما يجسدونه من قيم الانضباط والإخلاص والوفاء. ونستحضر أن الأمن والاستقرار ثمرة عمل مؤسسي متكامل، وأن قوة الوطن لا تقوم على الإمكانات وحدها، بل على القيم الراسخة والثقة والتعاون بين مؤسساته وأبنائه.
فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، وإنما تحرسها أيضا الضمائر الحية، والعمل المخلص، والوعي بأن خدمة الوطن مسؤولية تتجدد كل يوم.
حفظ الله عُمان قيادة وشعبا، وأسبغ عليها من واسع فضله وكرمه، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، والاستقرار والازدهار، وجعلها واحة للسلام، ومنارة للتسامح، وموطنا للخير والعطاء. ووفّق صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم حفظه الله ورعاه وسدّد على دروب الخير خطاه، وأعانه على مواصلة مسيرة البناء والنماء، لما فيه خير البلاد وصلاح العباد، ورفعة عُمان وعزّها. وبارك الله جهود الحرس السلطاني العُماني وسائر المؤسسات الوطنية، وحفظ منتسبيها، وأعانهم على أداء واجباتهم بإخلاص وإتقان، وجعل عطاءهم حصنا للوطن، وركيزة لاستقراره، وسببا في دوام أمنه وازدهاره. وأدام على عُمان وحدتها وتماسكها، وألّف بين قلوب أبنائها، ووفّقهم جميعا لما فيه رفعة وطنهم وصون مكتسباته، وكتب لها مستقبلا مشرقا تتعاقب فيه الإنجازات، وتتجدد فيه بشائر الخير، وتبقى رايتها عالية بالعزّة والمجد، آمنة مطمئنة، تنعم بالرخاء والسلام في ظل قيادتها الحكيمة.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
