آمال آل ابراهيم
من زيارة مدرسة عيون… إلى «مزرعة الأمل»
لم تكن زيارتي لمدرسة عيون زيارة عادية، بل كانت استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ زيارة أحببت فيها المكان، واقتربت فيها من العقول والقلوب، واكتشفت أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان هو أن يمنح الآخرين مساحة للكلام، وفرصة للتعبير، وشعورًا بأنهم مرئيون ومسموعون ومقدَّرون.
من الساعة التاسعة والنصف صباحًا حتى الحادية عشرة والنصف، تنقلت بين مجموعات الطلاب، من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر، في حوارات متتابعة، وتوجيه وتفاعل وأخذ وعطاء، تحت عنوان واحد: «بقِيَمنا نحيا». تنوعت الموضوعات، واختلفت الأعمار، لكن الهدف ظل واحدًا: أن نغرس قيمة، ونوقظ فكرة، ونترك أثرًا طيبًا في نفس كل طالب وطالبة.
واختتمت الزيارة بحوار جميل مع عدد من المعلمين والمعلمات، لأخرج من المدرسة وأنا أحمل من المشاعر والأفكار أكثر مما توقعت، ومن بينها حكاية صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في معناها.
هناك، التقيت بالدكتور سالم غواص ، وهو طالب في الصف الخامس الابتدائي، يعيش تجربة مختلفة؛ فهو الطالب الوحيد في شعبته، وقد أثقل عليه شعور الوحدة والملل، حتى أصبح بحاجة إلى مساحة يجد فيها ما يشغله، ويكتشف من خلالها قدراته ومواهبه.
تحدثنا، وأنصتُّ إليه، ثم جاءت الفكرة: لماذا لا تتحول ساعات الفراغ إلى فرصة للإنجاز؟ ولماذا لا نصنع من الوحدة مساحة للاكتشاف والإبداع؟
اقترحت عليه أن يخصص جزءًا من المدرسة لزراعته الخاصة، يعمل فيه خلال حصص الفراغ، ويتعلم كيف يهيئ التربة، ويختار البذور، ويغرسها، ويعرف احتياجاتها من الماء والعناية، ويتابع نموها يومًا بعد يوم. مساحة صغيرة يتعلم فيها الزراعة، ويقرأ عنها، ويجرب بيديه، ويرى نتيجة جهده أمام عينيه.
وهكذا بدأت المبادرة… مبادرة زراعية تحمل اسم «مزرعة الأمل»، بإذن الله، لتكون أكثر من مجرد مساحة خضراء؛ لتكون مساحة للأمل، والتعلم، والمسؤولية، واكتشاف الذات.
لقد علّمتني هذه التجربة أن بعض الكلمات قد نقولها بعفوية، ثم نمضي، دون أن ندرك كيف استقرت في قلب من سمعها، أو كيف تحولت في داخله إلى فكرة، أو كيف فتحت أمامه بابًا لم يكن يراه.
أحيانًا، لا يحتاج الإنسان إلى حلول كبيرة بقدر ما يحتاج إلى شخص ينتبه إليه، يسمع حكايته، ويفهم احتياجه، ثم يساعده على اكتشاف ما يستطيع فعله.
ما أجمل أن نغادر المكان وقد تركنا فيه فكرة، وأن نغادر القلوب وقد زرعنا فيها أملًا!
فالمبادرات لا تبدأ دائمًا بميزانيات كبيرة أو خطط معقدة؛ قد تبدأ بحوار صادق، أو سؤال في وقته، أو كلمة حانية، أو التفاتة إنسانية نمنحها لمن يحتاج إليها.
شكرًا لمدرسة عيون على هذه التجربة الجميلة، وشكرًا للدكتور سالم الذي جعلني أرى كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى مشروع يحمل معنى إنسانيًا وتربويًا عميقًا.
وأتمنى أن تكبر «مزرعة الأمل» كما تكبر البذور في الأرض الطيبة، وأن تصبح شاهدًا على أن الاستثمار الحقيقي ليس في الأرض وحدها، بل في الإنسان، وفي قدرته على النمو والعطاء.
اريد بوستر مصور
فقد نزرع بذرة في التربة، لكننا في الحقيقة نزرع ثقة في قلب، وشغفًا في عقل، وأملًا في حياة إنسان. 🌱
