هيثم نافل والي
عندما كنا ننتظر دورنا بغية إيجاد طاولة شاغرة في أحد المقاهي الشهيرة في مقاطعة بافاريا، التي نافست شهرتها شهرة الفاتيكان في عظمتها، كنت أنا وزوجتي ننتظر أن تفرغ إحدى الطاولات.
وما إن فرغت إحدى الطاولات حتى تقدمتنا امرأة برفقة طفلتها، كانتا تقفان خلفنا وتنتظران دورهما للجلوس، دون أن تعير المرأة أي اهتمام لانتظارنا السابق لها، أو تراعي النظام.
وكدت أمنعها من ذلك لولا تدخل زوجتي، التي طلبت مني الهدوء وتركها وشأنها، وانتظار طاولة أخرى تفرغ لنتمكن من الجلوس والاستمتاع بالقهوة الشهية اللذيذة التي يقدمها المقهى.
وبالفعل، بعد لحظات، وجدنا ضالتنا، فسبقتني زوجتي إليها، لكنني تخليت عنها، وانحرفت نحو المرأة التي جلست مع طفلتها، وملت على أذنها وهمست قائلًا:
«هناك في الحياة نوعان من الكائنات: ناس وبشر. أنتِ من الناس، لكنكِ لستِ من البشر».
ثم ولّيت وجهي منصرفًا إلى حيث جلست زوجتي، وطلبنا ما رغبنا في شربه.
وما هي إلا لحظات حتى فاجأتنا المرأة، التي صببت كلماتي الحارقة في أذنها، بتصرف لم أتوقعه. فقد كنت أظن أنها ستهاجمنا أو تشتمنا، لكنها بدأت تتلعثم بكلمات الاعتذار، ولا تعرف كيف تصوغها، وبدت وكأنها توشك على البكاء، وهي تردد:
«أقبلا اعتذاري، لو سمحتما. كنت جائعة إلى حدٍّ لم أعد معه أعي ما أفعل، ولم أعرف كيف تصرفت بتلك الطريقة الغبية التي لم أراعِ فيها النظام، ولم أقدّر مشاعركما بالشكل الصحيح».
ثم أصرت على أن تدفع قيمة حسابنا، لكننا رفضنا عرضها وقبلنا اعتذارها.
