مُزنة المسافر
أدركتْ جمال عينيها وهي تنظر إلى نفسها في المرآة، وجدت الكُحل يخط خطوطًا سميكة حول جفونها، ورموشها قد فاقت من نوم طويل، عانت وهي تُوَضِّب خصلتها العريضة وتدربها أن تقف أمام الرطوبة والريح السابحة السريعة المحركة لهواء القاهرة.
ثوبها الأزرق الفاتح تعيش وسطه ورود بيضاء، خرجت مسرعة بعد أن أوصدت باب الشقة، نزلت الدرجات في خفةٍ، الخريف ظهر بشكل خفيف، ركز في دخوله على الأوراق الباكية، عيونها تتحرك وسط العابرين فتنظر نحوهم إن كان بينهم غريب، كنزاتهم ملونة وأفكارهم متفرقة، وعيونهم الفضولية تنظر بجدية نحو جمال أمينة.
عبرت أمينة مسافات بسيطة في الحي الذي تقطنه، وجدت نفسها فجرًا تدرك باب المقهى، تضع الكراسي في دوائر عجيبة، تمسح الغبار عن الطاولات، تُخرج الأكواب الزجاجية وتنظفها في مهل كبير بقماش صغير الحجم.
حان موعد فتح المقهى.. قهوة السعادة وهي الدنيا الحُرَّة في هذا الحي، ناسه مولعون بالحياة، وعماله يؤمنون بالمزاج الرائق، والكافيين المرافق لجلسات أهل العَلَام، من المُتعلِّمين في الجامعات الوطنية، والراغبين في فهم الحرية والمطالبين بالحقوق المنسية.
معهم تجد الكتب والكلمات المبعثرة في الكراسات. السجال هنا مُتعة، والنقاش له عجلة تدور دون توقف. الطلبة يحومون وسط المكان، ويدفعون جيدًا لصاحبة المقهى. وجودهم يومي، وأحيانًا أعدادهم هائلة كالأسراب التي تحط على أعشاش مهملة، يرتادون المقهى في الخريف والشتاء، بينما الربيع يناديهم للجُنينات والساحات والصيف يخبرهم عن الشواطئ والبلاجات.
دُخَّان الجوزة يتسلق بغبطة مُريبة للأعلى، تُدخِّن الجوزة "المِعلمة تفيدة" صاحبة المكان، وهي بعيون جاحظة تقول بالعمر المديد، وتقول بالحنكة والوعد والتهديد للعابثين باسم المقهى. يدها فيها الصيغة؛ وهي أساور مرتبكة لكنها توحي بالحمد والنعيم.
المعلمة تفيدة: خلصتي يا أمينة؟ عايزين الزباين تخُش!
أمينة: شوية كده وحخلص يا خالتي، سواني!
أعادت أمينة كل كُباية في مكانها بعناية، ونظرت نحو الباب الزجاجي بحدود خشبية وقد فُتح للتو.
صوت كائن غير بشري، صوت طير يتكلم، ظهر ببغاء بريش وألوان، عينه جميلة، وقلبه أبيض كما يعتقد صاحبه حسب الله ابراهيم، الذي يلقبه جميع أبناء الحي بـ"حسب الله كوكتيل".
صدح الببغاء ببساطة: كوكتيل! كوكتيل!.. طيب أوي!
أن يُعلن الببغاء نقاء قلب صاحبه أمام الجميع ما هو إلا دليل أنه يقابل الكثير من الأشرار، ويفهم مغزى الدنيا المُتقلِّبة باستمرار، وعليه ليأكل جيدًا أن يعين كوكتيل على بيع بطاقات اليانصيب، لكن حسب الله كوكتيل قبل أن يفعل أي شيء في اليوم، عليه أن يحتسي كوب شاي "في الخمسينة".
كوكتيل: صباح الفل يا أحلى مِعلِّمة في المنطقة دي كلها!
المعلمة تفيدة: صباح الخير يا كوكتيل، جوزة ولا كُوباية شاي خمسينة؟
كوكتيل: استغفر الله… ما تديني شاي خمسينة وخلاص مش عايزين جوزة من الصبح!
المعلمة تفيدة: ليه يا كوكتيل، مالكش في الروقان؟!
تنادي تفيدة بأعلى صوتها لأمينة المُنشغلة الآن في المطبخ مع الصبي مصطفى وِلْعَة، يحضران الفطور الصباحي، دوائر لبيض مسلوق، فول بالزيت الحار في وعاء صغير، وخبز طازج قد جاء للتو من طابونة العيش القريبة.
ترتبك أمينة أمام التحضيرات اليومية، صوت المعلمة تفيدة وهي تنطق الأوامر، راغبة أن يُحضَّر الشاي لحسب الله كوكتيل أبو الببغان لأنه أول زبونٍ في المكان.
مصطفى ولعة: كوكتيل بيعلم الببغان يهزر ويرقص شرقي، وينط كمان زي البهلوان!
أمينة: ده الببغان غلبان وبيسمع الكلام، إيه رأيك نشتغل في السيرك يا مصطفى؟
مصطفى ولعة: ما بعرفش أنُط!
أمينة: كنت بهزر!، ومين غيرك حيولع الفحمة ويجيب المزاج الحلو للزباين.
مصطفى ولعة ابن الحي وابن العِشرة الحلوة التي اعتاد أهل الحي أن يُذكروا أنفسهم بها، يمنح مصطفى ولعة صينية صغيرة فيها كُباية الشاي لأمينة، تخرج أمينة أمام المعلمة تفيدة وحسب الله كوكتيل.
تود أن تُقهْقِه أمينة وهي ترى ملابس كوكتيل الكرنفالية، إنه يلبس بنطالًا أحمر، رأسه أصلع، وعيونه جاحظة، وقلبه يخفق كالأطفال، له قبعة جلدية صغيرة لكنها تختبئ هناك في حقيبة كبيرة يحملها باستمرار.
يشرب كوكتيل الشاي الخمسينة وهو يجلس على أحد الكراسي القريبة من نافذة كبيرة، تُظهر كل البشر الجادين السائرين في خطوط طويلة، قلوبهم قلقة، وأسئلتهم قد باتت تدخل دروبًا مُعتمة حول الأيام القادمة، بينما كوكتيل يُخرِج بطاقات اليانصيب التي يبيعها باعتقاده للمحظوظين، منتظرًا أن يُقبل أحدهم ليشتري منه بطاقة واحدة، وهل سيأتي أحدهم؟
