علي بن مسعود المعشني
يتصاعد الجدل والعويل اليوم في الكيان الصهيوني بعد فرز صناديق الاقتراع وإعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، والتي تساوت فيها حظوظ نتنياهو مع منافسه الجنرال السابق أيزنكوت، وبالتالي لا خلاص للاثنين لحسم المعركة إلا بالتحالف وتشكيل حكومة توافقية، أو الهروب نحو المعارضة لاستقطاب أصوات ترجيح وأبرزها اللائحة العربية الموحدة والتي فازت بـ18 مقعدًا؛ وهي مقاعد كافية لترجيح كفة أحد الغريمين وتفرُّده بكامل السلطة منفردًا.
المشكلة أن أيزنكوت يهودي مغربي أي من اليهود الشرقيين (السفرديم) المحارَبين من قبل اليهود الغربيين (الأشكناز) في الكيان، واليهود الشرقيون لم يصل أحد منهم إلى منصب رئيس حكومة عبر تاريخ الكيان المُحتل، وتقلد بعضهم مناصب رئيس للكيان وهو منصب أقرب إلى الفخري من التنفيذي، ووزراء وقادة وحدات عسكرية.
إدارة نتنياهو للكيان- وخاصة بعد السابع من أكتوبر ومفاصل طوفان الأقصى، ثم مواجهة إيران- لم تُظهره كبطلٍ تاريخيٍّ كما كان يحلم، بل أصاب الكيان بكل أعراض ضعف القوة والعجز عن تحقيق نتائج على الأرض تُرمِّم الدمار المعنوي الكبير الذي لحق بالكيان، ولم يستوعب صدمته بعد، وسيُسبِّب التآكل التدريجي للكيان حتى التحلُّل. لهذا كان الهروب الكبير للناخب الصهيوني نحو أيزنكوت ليس حبًا فيه؛ بل بُغضًا في نتنياهو وغطرسته وتضليله للرأي العام طيلة رئاسته للحكومة.
هناك تقارب بين نتنياهو وسلفه أولمرت؛ حيث سقط الأخير سقوطًا مدويًا بعد ملحمة يوليو (تموز) مع حزب الله عام 2006، وأُدخل السجن بتهم ظاهرها الفساد وباطنها الهزيمة العسكرية النكراء للجيش الذي وُصف بأنَّه "لا يُقهر"! بعد أن كان يحلم بدخول تاريخ الكيان من باب هزيمة حزب الله. وسعى نتنياهو كذلك عبر رفع سقف طموحه بأن يتساوى مع أسماء تاريخية كالمؤسِّس ديفيد بن جوريون، ورئيسة الوزراء السابقة جولدا مائير. ورغم تقديم نفسه كـ"بطل قومي"، وقيامه بتدمير وقتل واغتيالات في غزة ولبنان وإيران واليمن، إلّا أنَّ مؤشرات ونتائج الانتخابات في الكيان تُوضِّح رصيده الحقيقي في الوجدان الصهيوني وحواسه، وتُبيِّن كذلك حجم الشرخ المعنوي الكبير في المجتمع الصهيوني ومدى رغبته في زعامة تجلب له الاستقرار بدلًا من صخب المواجهات وضجيج الصواريخ وصفارات الإنذار.
نتائج هذه الانتخابات تُقرأ من زوايا عديدة مختلفة تُعبِّر في مجملها عمَّا يُعانيه الكيان من هشاشة وانكسار وغياب الشعور بالأمان، وإلّا لمنحت الأصوات وبقوة للبطل التاريخي المزعوم "النتن- ياهو". المؤشر الأقوى في هذه الانتخابات هو منح قطاع كبير من الجيش والمؤسسات العسكرية والأمنية أصواتها لأيزنكوت ليس لكونه عسكريًا سابقًا؛ بل لكونه أملهم الوحيد في تحقيق الاستقرار والسكينة لهذه المؤسسات التي أرهقتها الحروب والخسائر والاستنفار طيلة عمر الكيان، وهذا الموقف حظي به زعيم الليكود مناحيم بيجن بعد كامب ديفيد وضمان هدوء جبهة مصر.
"النتن- ياهو" وأيزنكوت وجهان لعملة واحدة في الكيان تجاه العرب بداخل فلسطين وفي الوطن العربي كذلك؛ فلا يُرجى منهما أي خير على الإطلاق، ولكنهما مؤشران قويان على الكيان من الداخل ونُذر زواله القريب كآخر احتلال على وجه الأرض. وإن غدًا لناظره قريب. والله غالب على أمره.
قبل اللقاء:
اليهودية، ديانة سماوية
بنو إسرائيل، نسبٌ لأبناء يعقوب
الصهيونية، حركة سياسية وضعية، لبست لبوس الديانة وانتحلت النسب لتمرير غاياتها الدنيوية.
وبالشكر تدوم النِعَم.
