د. صالح بن سعيد مسن
عند قراءة المسار الاقتصادي لسلطنة عُمان في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية، فإنَّ السؤال لا يتعلق فقط بالفرص الاقتصادية التي ربما ضاعت، بل أيضًا بالفرص الاستثنائية التي أفرزتها الأزمة، ولم تُستثمر بالسرعة والحجم اللذين تتيحهما الإمكانات الوطنية؛ فالأزمات الكبرى لا تقتصر آثارها على اضطراب الأسواق وتعطيل سلاسل الإمداد، بل تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية الإقليمية، وتفتح نوافذ استراتيجية أمام الدول القادرة على التحرك السريع، واتخاذ القرارات الجريئة، وتحويل المتغيرات الجيوسياسية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار الاقتصادي هو: كيف نستثمر التحولات التي أحدثتها الأزمة الحالية لتعزيز موقع الاقتصاد الوطني، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تبحث عن ملاذ آمن، وتعزيز الموانئ العُمانية لتكون مراكز توزيع وتصنيع وإعادة تصدير لدول المنطقة بشكل مستدام؟
وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة منهج إدارة الفرص الاقتصادية في سلطنة عُمان، وبمعنى آخر يتوجب على اللجان الوزارية الرئيسية الانتقال من بيروقراطية متابعة البرامج والمبادرات التي تديرها الوزارات إلى إدارة الفرص الاقتصادية للسلطنة بشكل كلي في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
لقد أدى اضطراب تدفقات النفط إلى الأسواق العالمية، في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات استثنائية تلامس 120 دولارًا للبرميل، مقارنة بالسعر البالغ 60 دولارًا الذي بُنيت عليه الموازنة العامة للدولة لعام 2026، مما يعني ضعف سعر الموازنة. واجتماع ارتفاع الأسعار مع استمرار تدفق الصادرات النفطية العُمانية للأسواق العالمية يمكن أن يحقق إيرادات إضافية كبيرة مهمة للدولة خلال فترة وجيزة. لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحجم هذه الإيرادات، بل بكيفية توظيفها؟ فهل ستقتصر الاستفادة من هذه الفوائض المالية الكبيرة والمزايا التي أحدثتها الأزمة على تحسين المؤشرات المالية فقط، أم ستتحول هذه الفوائض الاستثنائية إلى استثمارات منتجة، ومشروعات استراتيجية، وخطط وبرامج نوعية تعزز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو بعيدًا عن تقلبات أسعار النفط؟
أعتقد أنه يتوجب علينا الخروج من العقلية المحاسبية الضيقة التي تركز على المؤشرات المالية فقط إلى العقلية الاقتصادية الواسعة، بحيث يتم التعامل مع هذه الفوائض المالية كمحركات رئيسية للنمو الاقتصادي وكمحفزات كبيرة للأنشطة الاقتصادية غير النفطية وكمولدات رئيسية لفرص العمل في الاقتصاد الوطني.
للأسف الشعور الحالي لدى القطاع الخاص أن الاقتصاد في مرحلة تُشبه الركود، وهي رسائل خاطئة يلتقطها السوق من السياسات الاقتصادية الانكماشية التي تُعلنها الحكومة. والصواب هو أن سلطنة عُمان تكاد تكون من البلدان القلائل التي لم تتأثر سلبيًا بالأزمة بفضل السياسة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه. في المقابل، هناك مكاسب اقتصادية كبيرة لم تُستغل بالشكل المطلوب، بمعنى آخر يفترض أن يكون الاقتصاد في عمومه يعيش مرحلة انتعاش اقتصادي والأنشطة الاقتصادية في زخم متواصل من التوقعات المستقبلية الإيجابية.
فعوضًا عن اتباع سياسات اقتصادية توسعية توحي بأن الاقتصاد يعيش مرحلة انتعاش اقتصادي، نجد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العُماني تعيش مرحلة ركود اقتصادي؛ فمنها من خرج من السوق، والبعض الآخر يحتضر، وسط مطاردات ماراثونية من الرسوم والضرائب والسياسات العمالية المتغيرة والسياسات المالية غير المحفزة.
وإذا جئنا إلى قطاع ترويج الاستثمار؛ فهو ليس بالأفضل حالًا؛ ففي هذه الأوقات التي تعيش المنطقة حالة من الاضطراب الجيوسياسي، يُعيد المستثمرون الدوليون تقييم مواقع استثماراتهم في المنطقة، ويبحثون عن بيئات توفر الاستقرار النسبي، واستمرارية الأعمال، وتنوع خيارات النقل والإمداد، وسهولة الوصول إلى الأسواق. وهنا تبرُز فرصة مهمة أمام سلطنة عُمان لاستقطاب استثمارات نوعية إلى مناطقها الاقتصادية الخاصة والصناعية، ولا سيما في قطاعات الصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والتخزين الاستراتيجي، والصناعات الغذائية والدوائية، ومراكز التوزيع الإقليمية، والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية.
لكن هذه الفرصة لن تتحقق بمجرد امتلاك المقومات أو تنظيم الفعاليات الترويجية؛ فهي تتطلب جهازًا قادرًا على التحرك الاستباقي، والتواصل المباشر مع الشركات العالمية وصناديق الاستثمار، وتقديم عروض جاهزة تتضمن المواقع المتاحة، والمرافق، والحوافز، والإجراءات، والمدة اللازمة لبدء النشاط. وهنا يبرز تساؤل مشروع حول كفاءة منظومة ترويج الاستثمار، ومدى قدرتها على تحويل المُتغيِّرات الجيوسياسية إلى فرص استثمارية ملموسة؛ فبدلًا من الاكتفاء بالمعارض والوفود والمؤتمرات، ينبغي تحديد الشركات المُستهدفة، والقطاعات ذات الأولوية، والمشروعات التي يُمكن استقطابها بصورة عاجلة، ومتابعة كل فرصة حتى تتحول إلى استثمار فعلي.
وفي الجانب الآخر، وفي ظل هذه التطورات، يبرُز الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان بوصفه ميزة استراتيجية مهمة؛ إذ تُتيح منافذها البحرية المُطلَّة على بحر العرب تصدير النفط والسلع دون المرور بمضيق هرمز؛ مما يُعزز قدرتها على استمرار الوصول إلى الأسواق في ظل اضطراب الملاحة عبر المضيق. وهذا يعني أن الأزمة عززت موانئ السلطنة لتكون البوابة الرئيسية لعبور السلع والبضائع لجميع دول مجلس التعاون؛ مما يخلق فرصة استثنائية لتعزيز دور الموانئ وتفعيلها. لكن الفرصة الحقيقية تتجاوز استقبال السفن أو تحويل مسارات الشحن بصورة مؤقتة؛ فالمطلوب هو الانتقال من مفهوم الموانئ باعتبارها نقاطًا لعبور البضائع إلى مفهومها بوصفها مراكز متكاملة للتجارة والتصنيع والتوزيع والخدمات اللوجستية. وهذا يتطلب استقطاب الشركات العالمية والإقليمية لإنشاء مراكز توزيع ومستودعات استراتيجية، ومرافق للتجميع والتصنيع الخفيف، وخدمات لإعادة التعبئة والتغليف، ومراكز لإعادة التصدير، بما يتيح إضافة قيمة اقتصادية محلية إلى السلع قبل إعادة توجيهها إلى أسواق الخليج والمنطقة.
نحن أمام مرحلة تُتيح لسلطنة عُمان فرصًا اقتصادية واستراتيجية كبيرة، لكنها ليست فرصًا مضمونة ولا دائمة؛ فقد تتغير أسعار النفط، وتعود طرق التجارة إلى طبيعتها، وتعيد الشركات ترتيب سلاسل إمدادها، وتشتد المنافسة الإقليمية على الاستثمارات التي تبحث اليوم عن مواقع بديلة، وعُمان هي خيارها الأمثل في الوقت الحالي.
ولذلك.. فإنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك المقومات؛ بل في القدرة على توظيفها في الوقت المناسب؛ إذ إن الموقع الجغرافي لا يصنع مركزًا لوجستيًا عالميًا بمفرده، والفوائض النفطية لا تحقق التنويع الاقتصادي تلقائيًا، والمناطق الاقتصادية لا تستقطب الاستثمارات بمجرد وجودها على الخريطة. ما تحتاج إليه سلطنة عُمان في المرحلة الحالية هو فريق عمل ديناميكي أكثر نشاطًا وعمقًا إستراتيجيًا، وقرار حكومي أسرع، وتنسيق مؤسسي أكثر فاعلية، ومنظومة مساءلة تقيس النتائج الاقتصادية الفعلية، وتربط المسؤولية بالصلاحيات، والموارد بالأولويات، والحوافز بالعائد المحقق.
إنَّ نجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس بما تُعلنه المؤسسات من مؤشرات غير مؤثرة في المشهد الاقتصادي؛ بل بما يتغير في الاقتصاد نتيجة قراراتها. ولا يُقاس بحجم الأموال التي تُنفق، وإنما بما تُوَلِّده من إنتاج وصادرات وفرص عمل وقيمة مضافة. ولا يُقاس بعدد الخطط التي تُعد، لكن بقدرتها على تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
