د. خالد بن عبد الوهاب البلوشي
كُلُّنا نُروِّج لوديان عُمان وجبالها وقلاعها، وكُلُّنا نُطالب السائح أن يبقى أيامًا إضافية، لكننا ننسى سؤالًا بسيطًا يسأله كل مواطن سائح ومُقيم: أين دورات المياه النظيفة؟ في المواقع العامة والسياحية؟
في كثير من المواقع السياحية المنتشرة- سواء داخل محافظة مسقط ومن شاطئ يِتِّي إلى وادي شاب، ومن جبل شمس إلى رأس الجنز والجبل الأخضر وغيرها من المواقع العامة والسياحية- تكون دورة المياه أحيانًا هي أول انطباع وآخر انطباع. وقد تكون سببًا في ألا يعود السائح!
لربما دورات المياه ليست أولوية في ميزانية الصيانة في بعض المحافظات أو الولايات أو لأنها تُبنى مع المشروع السياحي بتكلفة عالية، ولاحقًا تُترك لعامل نظافة دون إشراف، ودون نظام محاسبة. والنتيجة نعرفها جميعًا: أبواب مُكسَّرة، ومياه مقطوعة، وانعدام للصيانة.
الحل ليس في بناء المزيد، بل في تغيير نموذج الإدارة: الخصخصة الذكية.
ماذا نقصد بالخصخصة؟ لا نقصد بيعها، بل نقصد إسناد إدارتها وتشغيلها وصيانتها لشركات متخصصة بنظام حق الانتفاع (BOT) أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، مقابل رسم رمزي.
النموذج المقترح:
1. دورات مياه ذكية بمعايير عالمية:
- بدون لمس (Touchless): أبواب تُفتح بالحسَّاس، مغاسل وصنابير ومُعطِّرات تعمل أوتوماتيكيًا.
- طاقة شمسية: تشغيل كامل بالطاقة الشمسية، مع نظام معالجة مياه رمادية لإعادة استخدامها في الري.
- نظام مراقبة ذكي: حساس يقيس مستوى النظافة، وعدد المستخدمين، ونقص المواد مثل المناديل، ويرسل تنبيهًا فوريًا لشركة التشغيل. وحساس جودة هواء.
- دفع إلكتروني ورمزي: 100 بيسة أو 200 بيسة عبر البطاقة أو الهاتف، أو مجانًا لحاملي بطاقة "تخفيضات السائح". الرسم ليس للربح، بل لضمان الاستدامة ومنع التخريب.
2. كيف تصبح مشروعا تجاريا؟
التجارب العالمية تقول إن دورة المياه النظيفة هي مشروع رابح بحد ذاته:
- إعلانات داخلية: شاشات صغيرة تعرض منتجات محلية، متاحف، فنادق، محلات ومراكز تسوق، نزل تراثية وغيرها من المنتجات والخدمات.
- آلة بيع: مناديل، مياه ومشروبات خفيفة، ومستلزمات سفر.
- كشك صغير بالجوار: يبيع قهوة عُمانية مع تقديم خدمات الإرشاد السياحي.
شركة التشغيل تربح من هذه الخدمات، وتضمن للجهات المشرفة وللمستخدم نظافة عالية الجودة لتلك المرافق.
3. ماذا استفادت الدول؟ هنا بعض النماذج العالمية:
- اليابان: حوَّلت دورات المياه العامة إلى مزار سياحي ففي طوكيو (مشروع Tokyo Toilet) صممها 16 معماريًا عالميًا ونالت إعجاب العالم والمواطنين والسياح.
- سنغافورة: تطبق نظام تقييم لدورات المياه، ودورة المياه مما جعلها مميزة دائما.
- نيوزيلندا: في مساراتها الطبيعية، دورات المياه الذكية هي سبب بقاء المسار نظيفًا.
ماذا سوف نستفيد في سلطنة عُمان؟
1. نظافة ورونق: دورات مياه عامة نظيفة وحديثة.
2. مشاريع للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة: كل 5 دورات مياه تدار بشركة عُمانية صغيرة توظف مجموعة من الشباب كمشرفين على تلك المرافق.
3. تقدير للسائح والمقيم: المرأة والأطفال، وكبار السن، وذوي الإعاقة، هم أكثر من يعاني. دورة مياه نظيفة وآمنة ومضاءة ستضفي رونقاً للخدمة.
4. بيانات سياحية: النظام الذكي يمنحنا عدد زوار كل موقع سياحي بالساعة واليوم، وهي بيانات تساعد على التخطيط التطوير.
لذلك أقترح أن تتبنى وزارة التراث والسياحة بالتعاون مع بلدية مسقط ومع المحافظات مبادرة لخصخصة 100 دورة مياه في أهم 100 موقع سياحي كمرحلة أولى، ثم تطرح كفرص استثمارية لرواد الأعمال، بمواصفات موحدة مع تطبيق تقنيات الاستدامة.
السائح قد ينسى اسم الوادي والمعلم السياحي، لكنه لن ينسى أبدًا أنه لم يجد خدمة دورة مياه قريبة من الموقع.
دعونا نُعزِّز تجربة المواطن السائح والمقيم ونُقدِّم لهم خدمة تُضفى راحة وثقة عند زيارتهم لتلك المواقع.
