الرياضة حين نهملها

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

استغربُ من أولئك الذين تمضي أيامهم دون مُمارسة الرياضة، يستيقظون صباحًا ويتوجهون إلى أعمالهم، لمن يعمل منهم، ثم يعودون إلى بيوتهم، وربما يخرجون قليلًا في المساء، قبل أن يذهبوا ليخلدوا إلى النوم. لتتكرر هذه الدورة اليومية بما فيها من أمور معتادة، وهكذا تمضي أيامهم دون أي نشاط رياضي فعّال.

المشكلة أنه لا يوجد محفز تلقائي يحرك الرغبة في ممارسة الرياضة؛ فالإحساس بالجوع يوقظ الشهية إلى الطعام، والشعور بالعطش يلح على صاحبه لشرب الماء، والنعاس يستدعي النوم. أما الرياضة فإذا لم يكن هناك وعي بأهميتها، وإدراك لقيمتها، وقناعة بضرورتها، فلن يتوافر الدافع إلى ممارستها والمواظبة عليها.

وعندما يكون المرء في العشرينات من العمر، قد لا تظهر آثار قلة النشاط البدني عليه؛ إذ لا يزال جسده شابًا متماسكًا. ولكن مع بلوغ منتصف الثلاثينات والأربعينات وما بعدها، ومع توالي تناول الأطعمة الدسمة والإكثار من السكريات، تجد الكثيرين وقد زادت أوزانهم، وفقدت أجسادهم تناسقها، فبرزت بطونهم عن حدها الطبيعي، وارتخت اكتافهم، وتقدمت رؤوسهم قليلًا إلى الأمام.

وأحيانًا يتحمس البعض لممارسة رياضة المشي واتباع حمية غذائية، لكنهم سرعان ما يعودون إلى عاداتهم السابقة، مُفضِّلين تناول ما يشاؤون من الطعام، والجلوس براحة في الأماكن المكيفة، كالمجالس والمقاهي، مُتذرِّعين بضيق الوقت، أو عدم توافر أماكن مناسبة لممارسة الرياضة، أو أن الأوان قد فاتهم لاستعادة لياقتهم البدنية واكتساب قوام متناسق سليم، فيبقوا على ما هم عليه من إهمال للرياضة.

والإنسان إذا شعر بأنه بخير ويتمتع بصحة جيدة، فلا تشغل صحته تفكيره، ويعتبر ذلك امرًا طبيعيًا لا ميزة يتميز بها، لاعتقاده بأنها حالة عامة يعيشها معظم الناس في كل مكان ولا تقتصر عليه.

ولذا لا يقدر هذه النعمة حق قدرها، لأنها دائمًا ما تكون في متناوله، حاضرة معه كجزء منه لا تفارقه. وما دامت كذلك في ظنه، فلا حاجة له لتكبد أي عناء أو بذل أي مجهود للحفاظ عليها.

ولا يعي أحيانًا ما يتعرض له جسده من تغيرات داخلية لعدم ممارسة الرياضة بانتظام، وما قد ينتج عن ذلك من آثار سلبية لا يشعر بها، إلى أن تتمكن منه شيئا فشيئا.

ومع تراكم آثار قلة النشاط البدني، تضعف الأنسجة العضلية، وتظهر أحيانًا آلام المفاصل، وأوجاع الظهر، ويزداد الشعور بالتعب عند بذل المجهود البدني، وقد ترتفع مؤشرات سكر الدم والضغط والكوليسترول الضار... ومن لم تطله هذه التداعيات أو بعضها اليوم، فقد تطاله غدًا، عاجلًا أو آجلًا؛ إذ إنَّ قِلة النشاط البدني عامل أساسي في ظهورها إلى جانب عوامل أخرى مؤثرة.

إضافة إلى امتداد تأثيراتها إلى جودة النوم وما يؤدي إلى اضطرابه أحيانًا، أو الإصابة بالأرق.

أو ربما يجد المرء نفسه أحيانًا في حالة من الضيق دون معرفة السبب، بينما قد يكون السبب نقص النشاط البدني؛ فالرياضة تساعد على تقليل التوتر وتخفف الضغط النفسي، وتُحسِّن المزاج وتنشط الدورة الدموية وتعزز الشعور بالثقة بالنفس.

إنَّ معرفة هذه الأمور معرفة صحيحة لا تكفي، ما لم تُترجم إلى ممارسة فعلية على أرض الواقع؛ فالرياضة لا تكون مؤقتة ثم ينقطع المرء عنها بعد حين، متغافلًا عنها، منصرفًا إلى ما هو أسهل وأمتع وأكثر راحة. والحرص على تأديتها والمواظبة عليها واجب تجاه الذات، كغرس يتعهده صاحبه بالرعاية فيؤتي ثماره، فإذا انقطعت عنه الرعاية ذبل.

الأكثر قراءة

z