هنا لندن.. قراءة في مضامين النطق السامي

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

زيارةُ دولة قام بها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، بدعوة من جلالة الملك تشارلز الثالث ملك المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية ورئيس الكومنولث، هي من تلك الزيارات التي تظَّل مُسطرَّة في تاريخ العلاقات بين الدول، تتناقلها الأجيال كأحداث مفصلية ساهمت في ترسيخ علاقة ممتدة بين البلدين منذ مئات السنين؛ إذ حظي جلالة السلطان المعظم- أعزه الله- باستقبال مهيب يليقُ بفخامة وجلال عُمان وسلطانها المُفدّى، وحفاوة تعكس عمق العلاقة التي جمعت البلدين واستمرت على مدى عقود طويلة.

وفي مأدبة العشاء التي أُقيمت تكريمًا لجلالة السلطان المعظم، ألقى جلالته خطابًا تاريخيًا استعرض فيه جوانب مختلفة تجمع البلدين. وهذا الخطاب حمل مضامين كثيرة في طياته، ويمكن قراءة الكثير من التفاصيل بين كلمات الخطاب العميق فكرًا ومضمونًا، كما أن هناك رسائل كثيرة تضمنها هذا الخطاب يمكن قراءتها من خلال هذه السطور التي سوف نستعرض فيها أهم ما ورد في خطاب جلالة السلطان المعظم.

استهل جلالة السلطان المعظم كلمته بالتطرق إلى العلاقة التاريخية بين البلدين، ودور التجار والبحارة في ترسيخ هذه العلاقة التي نشأت في ظروف زمانية هامة خلال القرن السابع عشر؛ حيث لعب موقع الإمبراطورية العُمانية الجغرافي دورًا هامًا في نسج خيوط هذه العلاقة، وهو ما جعل منها مركزًا تجاريًا عالميًا يربط بين الشرق والغرب، وازدهرت مواني مسقط وصحار وصور وظفار في تلك الفترة التاريخية، وتوجت هذه العلاقة بإبرام اتفاقية الصداقة بين الإمبراطوريتين في عام 1798، معاهدة نصت على "أن تبقى العلاقة بين البلدين ثابتة مدى الدهر إلى أن تقضي الشمس والقمر دورتهما"، وفي هذه العبارة دلالة واضحة جدًا أن هذه العلاقة وجدت لتبقى مدى الحياة.

هذه النبذة التاريخية والاستعراض التاريخي في خطاب جلالته، يحملان الكثير من الرسائل التي تعكس عمق العلاقة بين دولتين تأسست على مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في سياق متكافئ من القوة والمكانة بين الدول الكبرى في تلك الحقبة الزمنية، واختارت الدولتان أن تظل هذه العلاقة مستمرة مدى التاريخ وفق هذا السياق، وتطورت من بدايتها إلى أن بلغت ما بلغته اليوم من تعاون اقتصادي في مجالات الاستثمار والطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة الحديثة، مقدمة نموذجًا عالميًا في نوع الشراكات الاستراتيجية التي تجمع الشعوب.

إنَّ عوامل نجاح واستمرار هذه العلاقات يرتبط بشكل مباشر بقيادة الدولتين، وهو ما أشاد به جلالة السلطان، الذي أكد أن هذه العلاقة ممتدة ما تعاقبت الشمس والقمر، في رسالة واضحة أن الشراكة بين البلدين لا نهاية لها ولا يوجد شك حولها وغير قابلة للتقلب والتأثر بالمعطيات والأحداث التي تحدث في العالم.

بعد ذلك، تطرق جلالة العاهل المفدى إلى الدبلوماسية العُمانية، وهي القوة التي امتلكتها سلطنة عُمان نتيجة نهجها ومبادئها وقيمها السياسية التي آمنت بها؛ حيث أشار جلالة السلطان المعظم إلى أن عُمان اختارت الإصغاء؛ حيث وجدت فيه قوة أكبر من قوة الجيوش، وهنا تتجلى قيمة الإدراك الاستراتيجي لأهمية السياسة في إدارة العلاقات الدولية؛ إذ قامت سياسة سلطنة عُمان على احترام جميع الدول وعدم التدخل في شؤونها وأن الحوار والتفاهم والتعاون هي الأسس التي يجب ان تقوم عليها العلاقات بين الدول، وان السلام هو الطريق الوحيد الذي يجب أن تسلكه الشعوب في علاقاتها، وقد جنبت هذه السياسة سلطنة عُمان الوقوع في الصراعات، حتى غدت محل ثقة العالم والملاذ الذي تلجأ اليه الدول المتنازعة.

ليس ذلك فحسب؛ بل إن قيادة هذا البلد عُرفت بحكمتها وحُسن قراءتها للأحداث ومآلاتها، فبات العالم يتهافت طلبًا للمشورة والرأي، وهُنا تبرُز أهمية الإصغاء وقوته؛ حيث يعطي الإنسان فرصة للفهم والتفكير بعيدًا عن ضجيج الأحداث وصخب المواقف. ولذلك كانت عُمان حاضرة في كل أزمة ليس بمشاركة الضجيج؛ بل بالإصغاء الذي يمنح القوة حين تكون طرفًا في الحل لا في المشكلة، هذا الإصغاء الذي يعني أن نفهم الآخرين دون أن نفقد استقلال قرارنا، وأن نحاورهم دون أن نتنازل عن ثوابتنا، وأن نبحث عن نقاط الاتفاق دون أن نتجاهل نقاط الاختلاف.

ومن هنا ندرك أن الإصغاء يمنح سلطنة عُمان فرصة لفهم مختلف الأطراف المتنازعة، والمحافظة على قنوات الاتصال بينها، والبحث عن مساحات مشتركة للتفاهم تنهي الخلافات، مع احتفاظها باستقلالية قرارها الوطني الذي لا تقبل التدخل فيه، ولا تمنح أسبابًا لذلك، لذلك فإن القوة التي أشار إليها جلالة السلطان في خطابه هي قوة التأثير بالحكمة، لا الإكراه، وقوة الوصول إلى العقول، لا إخضاعها، وقوة تقريب المواقف لا توسيع الخلافات.

يمضي جلالة السلطان في خطابه ليتناول نموذجًا آخر من العلاقات التي تجمع الشعوب، تلك العلاقات التي تُنشِئ حالة من التوأمة الفكرية والثقافية والاقتصادية بين دول ترى العالم من خلال منظور مشترك يراعي مصالح الدولتين. والمتتبع لمجالات التعاون المشترك بين البلدين يدرك مدى الارتباط الوثيق بينهما؛ فقد كان للمملكة المتحدة دور رئيس في اكتشاف النفط والغاز في سلطنة عُمان في منتصف القرن الماضي؛ حيث أسفرت أعمال التنقيب والاستكشاف عن طريق الشركات البريطانية الرائدة إلى اكتشاف النفط بكميات تجارية، هذه الاكتشافات التي نقلت سلطنة عُمان إلى مستقبلها الاقتصادي الذي نراه اليوم، ليستمر هذا التعاون ويتطور في مجالات الطاقة المختلفة، والصناعات المرتبطة به والاستثمار فيه وفي مجالات أخرى عديدة.

كما كان للتبادل الثقافي والتعليمي حضور حين ساهمت الجامعات البريطانية في تأهيل وتطوير معارف ومهارات الشباب العُماني؛ حيث التحق الكثير من الطلبة العُمانيين بهذه الجامعات العريقة والمتفردة، والتي ساهمت بما قدمته من معارف في مسيرة التنمية في سلطنة عُمان. لقد أبرز جلالة السلطان هذا المجال من التعاون بين البلدين في خطابه، مشيرًا إلى أنه أحد الذين درسوا في المملكة المتحدة مكتسبًا معرفة وثقافة مرتبطة بالإرث الثقافي الانجليزي، وهذه اشارة لافته وعميقة تزيد من قيمة هذا التعاون، وتمنح العلاقة بين البلدين تقاربًا كبيرًا، خاصة عندما يكون هذا التقارب مرتبطًا بالفكر والثقافة والتقاليد المعرفية. هذا التعاون ليس على مستوى الابتعاث فقط؛ بل امتد للاستفادة من الخبرات التعليمية الإنجليزية الكبيرة في تطوير منظومة التعليم العام والعالي من خلال استقدام الخبرات ونقل الأفكار وإنشاء المؤسسات التعليمية في البلدين، ولقد أسهم هذا التوجه في رفع مستوى منظومة التعليم والبحث العلمي والابتكار وتطوير المهارات الوطنية.

إنَّ إعلان جلالة السلطان المعظم أن صاحب السمو الملكي الأمير ويليم أمير ويلز، وصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، سوف يشرفان على الجمعية البريطانية العُمانية، يمثل قيمة مضافة لهذه الشراكة؛ وذلك من خلال إسناد مسيرة الصداقة بين الطرفين للجيل الجديد من العائلة الحاكمة في البلدين الصديقين ترسيخًا لفكرة الاستمرارية الأبدية لهذه العلاقة، ورغبة في أن تسير هذه الاجيال على نفس النهج، وبما يلبي طموح الشباب والأجيال الجديدة في البلدين.

وفي المجال العسكري، نرى أن العلاقة التاريخية بين البلدين العظيمين منذ مراحلها الأولى شهدت تنسيقًا في المواقف السياسية والرؤى العسكرية، فقد عملتا على تعزيز منظومة الأمن والدفاع والشراكة الاستراتيجية في مجال التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات والتسليح؛ حيث ساهمت المؤسسات العسكرية البريطانية في تأهيل القيادات العسكرية والأمنية العُمانية، وتبادل الخبرات بين الجانبين. وتمثل المدرسة العسكرية والامنية البريطانية قيمة متفردة بين دول العالم منذ قرون والى هذا اليوم. ومن خلال التنسيق المشترك بين الجانبين، استفادت الدولتان بشكل فعّال، خاصة في مواجهة الأزمات العالمية وربما الأزمة الأخيرة خير مثال، مع احتفاظ كل دولة بقرارها السيادي وتوجهاتها السياسية والأمنية والعسكرية، في إطار الاحترام المتبادل والتقدير لذلك.

وقد اختتم جلالة السلطان خطابه بالتأكيد على أهمية الصداقة بين البلدين واستمرارها للأجيال المقبلة، في سياق تطرق فيه إلى أن اهتمام الملك تشارلز الثالث بقضايا الشباب وحماية البيئة والحوار بين الأديان هي توجهات تتوافق مع روية جلالته للعالم؛ حيث يرى جلالته أهمية الاستثمار في الشباب الذين هم وقود المستقبل للأوطان، هذا الاستثمار يتمثل في تسليحهم بالعلم والمعرفة الحديثة خاصة في مجالات التقنيات الرقمية والتكنولوجيا الحديثة، وتسخير الإمكانات المادية لهم، وحمايتهم من الأفكار المتطرفة وتثقيفهم بتاريخ أممهم وعراقتها.

إنَّ رؤية جلالة السلطان للمستقبل تنطلق من خلال إعلاء القيم الإنسانية وحماية الإنسان من الأفكار السلبية، واهمية الحوار كمنطلق إنساني للتواصل والتقارب الحضاري بين الشعوب؛ إذ شدد جلالته على أهمية حوار الاديان خاصة في هذا الوقت الذي يشهد تشويهًا متعمدًا واستغلالًا للخطاب الديني لمآرب غير مستقيمة تسببت في صراعات بين شعوب العالم، ومحاولة اقصاء الاخر، في وقت يحتاج فيه العالم إلى التعايش والتسامح وقبول الآخر وتقبل الاختلاف وهي الرسالة التي نزلت بها الرسالات السماوية جمعاء.

لقد حمل خطاب جلالة السلطان المعظم مضامين عميقة يمكن استخلاصها والعمل على جعلها نهجًا ونموذجًا للعلاقات الدولية وكيفية استثمارها في صياغة المستقبل، ولا بُد من الانتباه إلى أن هذه الزيارة هي حلقة في سلسلة طويلة من تاريخ قائم على مصالح مشتركة وروابط بين بلدين عريقين كان منطلق تحالفهما التكافؤ والتكامل والتفاهم والتعاون، وإدراك كل منهما ما لدى الطرف الآخر من عناصر قوة مُهمة لمثل هذه العلاقات.

الأكثر قراءة

z