عشّاق بلوشستان الصامتون "هاني وشاه مريد"

 

 

 

محمد بن أنور البلوشي **

في زمنٍ تتعالى فيه أصوات الحروب، وتشتعل نيران الكراهية، وجدتُ نفسي أبحث عن زوايا منسية في هذا العالم، لعلّ الحبّ ما زال يختبئ فيها، ولعلّ السلام لم يفقد طريقه إلى قلوب البشر. وبين غبار التاريخ وصفحات الزمن، عثرتُ على حكاية عشقٍ لم تنل شهرة روميو وجولييت، ولا مأساة قيس وليلى، ولا أسطورة هير ورانجها، لكنها لم تكن أقلّ وجعًا، ولا أضعف حبًّا، ولا أدنى منزلةً في محراب الخلود.

إنها حكاية "هاني وشاه مريد"، عاشقَي بلوشستان اللذين لم تجمعهما الحياة، لكنّ التاريخ جمع اسميهما إلى الأبد. حكايةٌ ما زالت الرياح تهمس بها بين جبال بلوشستان وصحاريها، لتذكّرنا بأنّ الحبّ ليس دائمًا لقاءً أو عناقًا، بل قد يكون تضحيةً ترتقي بالعشق من حدود الجسد إلى خلود الروح.

كانت هاني امرأةً يتناقل الناس أخبار جمالها في الأرض البلوشية، غير أنّ جمالها الحقيقي كان يسكن روحها، ويتجلّى في أخلاقها وصفاء قلبها. كانت كزهرةٍ نبتت في قلب الصحراء، تمنح العابرين عطر الحياة. أمّا شاه مريد، فكان فارسًا شجاعًا من قبيلة الرند، عُرف بوفائه وشرفه. حمل السيف في يده، لكنه حمل في صدره قلبًا لا يعرف سوى امرأة واحدة.

أحبّها كما تحبّ الصحراء سماءها، تتطلّع إليها دون أن تستطيع احتضانها. وأحبّته كما تحبّ النجمة ليلها، تضيء له من بعيد، ويمنعها القدر من الاقتراب.

وفي يومٍ من أيام التاريخ البلوشي، اجتمعت القبائل تحت قيادة الزعيم مير تشاكر خان رند، في مجلسٍ تُعقد فيه العهود وتُرفع فيه رايات الشرف. أقسم بعض الفرسان على الشجاعة، وآخرون على الوفاء، بينما تعاهدت هاني على العفّة والطهارة والإخلاص.

ثم نهض شاه مريد، ونظر إلى هاني، قبل أن يلتفت إلى زعيمه قائلًا: "أقسم ألّا أتّخذ هاني زوجةً لي، إلا إذا أمرني بذلك سيدي مير تشاكر بنفسه."

لم يكن يدري أنّ الكلمات التي نطق بها اعتزازًا ستتحوّل يومًا إلى أغلالٍ تكبّل قلبه، وأنّ الإنسان قد ينتصر في مئات المعارك، ثم يُهزم أمام قسمٍ واحد قطعه على نفسه.

ومضت السنوات، وكبر الحبّ في قلبه كما تكبر النار حين تعانقها رياح الصحراء. وكانت هاني تحبّه بصمتٍ لا يعرف الشكوى، تراه في وجوه العابرين، وتسمع صوته في سكون الليل. كانت العيون تلتقي، لكنّ الكلمات تخجل من الخروج، فبعض العشّاق يصمتون، فتروي عيونهم ما تعجز عنه دواوين الشعر.

وذات يوم، جمعهما القدر قرب جدول ماء، فهمس شاه مريد: "يا هاني، ألا تشعرين بثقل هذا الصمت الذي أحمله في صدري؟"

أطرقت برأسها وأجابته: "وأنت يا مريد، ألا تشعر بثقل قلبي؟ لقد قيّدت حبّنا بقسمك، وتركتني أسيرةً لكلمةٍ لم أنطق بها."

وجاء الامتحان الأعظم حين وضع مير تشاكر خاتمه في إناءٍ من الماء وسلّمه إلى هاني، اختبارًا لأمانتها. فأعادته دون تردّد، فأُعجب الزعيم بنقائها، والتفت إلى شاه مريد قائلًا: "الآن تستطيع الزواج منها. لقد أذنتُ لك، فهي جديرةٌ بحبّك، وأنت جديرٌ بحبّها."

ابتهج الجميع، وظنّوا أنّ الحكاية وصلت إلى نهايتها السعيدة. لكنّ وجه شاه مريد شحب، وارتجف قلبه بين فرحة اللقاء وهيبة العهد. أحنى رأسه وقال: "يا سيدي، لا أستطيع. لم تعد هاني مجرّد امرأةٍ أحببتها، بل أصبحت رمزًا للطهارة والوفاء. لقد اخترتُ أن يعيش حبّي في التضحية، لا في الامتلاك."

امتلأت عينا هاني بالدموع، واقتربت منه هامسةً: "يا مريد، أتفضّل أن تكسر قلبي على أن تكسر قسمك؟"

وضع يده على صدره وقال: "يا هاني، إنّ قلبي ينكسر ألف مرّة، لكنّ كلمتي يجب أن تبقى كاملة. هذا هو حبّي لكِ، أن أحبّك دون أن أمتلكك، وأن أحملك في روحي وإن حُرمتُ من احتضانك."

وهكذا، لم يمت العاشقان في أحضان بعضهما كروميو وجولييت، ولم يجوبا البراري كقيس وليلى، ولم يغنّيا أحزانهما كـهير ورانجها. كانت مأساتهما أكثر هدوءًا وأعمق وجعًا. عاشا بعيدين، لكنّ حبّهما بقي قريبًا من ذاكرة الزمن.

احتفظ البلوش بحكايتهما كما تحتفظ الصحراء بآثار المطر بعد رحيله. وأصبحت هاني رمزًا للطهارة والإخلاص، وشاه مريد رمزًا للشرف والتضحية، وتناقلت الأجيال قصتهما باعتبارها درسًا في الوفاء وسموّ العشق.

وحين قرأتُ حكايتهما، عدتُ أتأمّل عالمنا اليوم، حيث الحروب تلتهم المدن والكراهية تمزّق القلوب. وتساءلتُ: هل مات الحبّ حقًّا، أم أنّ ضجيج العالم أصبح أعلى من همسات العاشقين؟ وهل يعود السلام حين يتعلّم الإنسان أن يحبّ دون أن يملك، وأن يتنازل دون أن يشعر بالهزيمة؟

ربما لم يمت الحبّ، بل اختبأ في تضحياتٍ صامتة تشبه تضحية هاني وشاه مريد. فحكايتهما ليست مجرّد قصة فراق، بل عشقٌ تجاوز حدود الرغبة وارتقى إلى مقام الروح.

وما زلتُ أتخيّل هاني واقفةً تحت سماء بلوشستان، تحدّق في الأفق، وتنتظر فارسًا لن يعود. وأتخيّل شاه مريد يسير بين الجبال، يحمل في صدره امرأةً لم تغادره يومًا، وإن غابت عن عينيه إلى الأبد.

ولعلّ الرياح التي تعبر صحاري بلوشستان حتى اليوم تحمل صوت عاشقٍ قديم، ما زال ينادي حبيبته من وراء القرون:

"يا هاني، يا حبيبتي، أنتِ لي إلى الأبد، وإن لم تكوني يومًا بين ذراعيّ. أنتِ وطني الذي لم أسكنه، وقصيدتي التي لم أكتب نهايتها، وحلمي الذي لم أستيقظ منه. لقد حرمتني الحياة من لقائك، لكنها لم تستطع أن تحرمني من حبّك."

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z