شهر أطول من الراتب!

 

 

 

 

صالح الغافري

بعض الرواتب لا تكمل الشهر، ليس لأنها قليلة دائما، ولكن لأن الشهر أصبح مزدحما بما ينتظرها. ينزل الراتب في الحساب، فلا يكاد يستقر حتى تبدأ قائمة طويلة في اقتسامه، قسط للبيت أو السيارة، وفاتورة كهرباء وماء، ومدارس، واحتياجات المنزل، ووقود، والتزامات أسرية، وربما دين قديم ينتظر نصيبه. تمر أيام قليلة، وينظر رب الأسرة إلى ما بقي في حسابه، وكأنه يسأل نفسه في صمت كيف سيمضي بقية الشهر.

هذه ليست حكاية بيت بعينه، ففي بيوت كثيرة تبدأ الأيام في اقتسام الراتب منذ لحظة وصوله. وما بين يوم نزوله ويوم انتظار الراتب التالي تفاصيل لا تظهر في كشف الحساب، لكنها تظهر في أب يؤجل حاجة، وأم تعيد ترتيب الأولويات، وأسرة تحاول أن تجعل ما بقي يكفي لما بقي.

فالراتب في حياة الإنسان ليس مجرد رقم يدخل الحساب نهاية الشهر. هو أمان بيت، وهدوء أب، وطمأنينة أم، ودراسة طفل، وقدرة أسرة على مواجهة ظرف لم يكن في الحسبان. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس كم يتقاضى الإنسان فقط، وإنما ماذا يستطيع أن يفعل بما يتقاضاه.

وفي الوقت الذي يمضي فيه وطننا بطموح نحو المستقبل، يصبح من الطبيعي أن نتطلع إلى أن تصل ثمرة هذا الطموح إلى تفاصيل حياة الأسرة. وهذا المعنى حاضر في خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة 2026-2030، التي جعلت التنمية الاجتماعية المستدامة وفرص العمل للمواطنين من أهدافها، وهي الخطة التنفيذية الثانية لرؤية عمان 2040. وهنا تكبر الآمال، لأن أجمل ما في خطط التنمية ألا تبقى أرقاما وأهدافا على الورق، وإنما أن يشعر بها الإنسان في بيته، وفي قدرته على تدبير يومه، وفي اطمئنانه إلى غده ومستقبله.

ومن الإنصاف، ونحن نتحدث عن أعباء الأسرة، ألا نتجاوز ما قدمته الدولة من مظلة للحماية الاجتماعية شملت فئات متعددة، ومن بينها منفعة الطفولة ومنفعة كبار السن. فالطفل له منفعة شهرية، وكبار السن لهم منفعة وفق ضوابط الاستحقاق والدخل. وهي خطوات تحمل معنى مهما، بأن احتياجات المواطن حاضرة في السياسات الاجتماعية، ويبقى الأمل أن يتسع أثر هذه الحماية كلما اتسعت قدرة الاقتصاد وتحسنت موارده. وإذا كان هذا حال من يتقاضى راتبا، فكيف بحال المتقاعد والمسرح عن عمله والباحث عن عمل، كان الله في عونهم، ونرجو ألا يغيب النظر إليهم.

والمسألة هنا لا ينبغي اختصارها في مطالبة سهلة برفع الرواتب. فالاقتصاد أكثر تعقيدا من ذلك، ووطننا أمام مسؤوليات وحسابات كثيرة، وفي المقابل لا يصح أن نحمل المواطن وحده المسؤولية ونقول له أحسن إدارة راتبك. وبين الأمرين مساحة واسعة للحلول، وربما كان علينا أن نبحث فيها بهدوء بدلا من أن يتبادل كل طرف المسؤولية مع الآخر.

نحتاج أن نفكر في دخل الأسرة من بابين لا من باب واحد، كيف نرفع قدرتها على الكسب، وكيف نحمي ما تكسبه من مصروفات تستنزفه دون أن تشعر. فقد تكون الزيادة الحقيقية في دخل الأسرة أحيانا فرصة عمل إضافية لأحد أفرادها، أو مشروعا منزليا يجد طريقه إلى السوق، أو تخفيف تكلفة خدمة، أو ضبط ارتفاع غير مبرر في سلعة، أو تمويلا لا يجعل سنوات الإنسان القادمة مرهونة لقسط شهري. وللبنوك والقطاع الخاص دور جميل في ذلك بمنتجات مرنة تراعي ظروف الأسرة، فتكسب الأسرة طمأنينتها ويكسب القطاع عميلا أوفى وسوقا أنشط.

وللمواطن دوره أيضا، فالإنصاف يقتضي ألا نضع كل أعبائنا على كتف جهة واحدة. بعض الضغوط تصنعها الحياة، وبعضها نصنعه نحن عندما تتحول الكماليات إلى ضروريات، والمناسبات إلى منافسة، والسيارة إلى مقياس، والهاتف إلى سباق، ثم نطالب الراتب بأن يتحمل حياة أكبر منه.

لسنا بحاجة إلى أن يعيش الناس حياة أقل، وإنما أن يعيشوا حياة أهدأ.

وربما نحتاج، إلى جوار الأرقام والدراسات، إلى سؤال شديد البساطة قبل كل قرار يمس معيشة الناس، وقبل كل مشروع سيقام أو خدمة ستنفذ، كم سيبقى في جيب الأسرة بعد هذا القرار أو المشروع.

إنه سؤال بسيط، ولا يختزل الاقتصاد كله، لكنه يضع الإنسان في قلب الحساب، ويذكرنا بأن نجاح بعض القرارات لا يكتمل عند صدورها، وإنما عندما تصل آثارها إلى حياة الناس دون أن تضيف إلى أثقالهم ثقلا جديدا.

نريد لوطننا اقتصادا يكبر، ومشروعات تمتد، واستثمارات تأتي، وفرص عمل تتسع، ونريد في الوقت نفسه أن يصل أثر ذلك إلى البيت. فالتنمية تصبح أقرب إلى الناس حين يرون أثرها في حياتهم، وحين يشعر المواطن أن ما يتحقق في وطنه ينعكس على استقرار أسرته وقدرتها على بناء مستقبل أكثر اطمئنانا.

وقد يسمح المواطن لنفسه، وسط كل هذه الحسابات، بحلم صغير لا يحتاج إلى دراسة جدوى ولا إلى آلة حاسبة. أن يصحو ذات صباح فيجد بعض المديونيات التي تزاحم راتبه قد غادرت الحساب إلى غير رجعة. وقد يبقى ذلك حلما، فالحسابات العامة لا تدار بالأمنيات، لكن من قال إن المواطن لا يحق له أن يترك للحلم مكانا صغيرا بين القسط والدعاء.

فالناس لا تعارض الأرقام الجميلة، وتريد أن تجد نفسها بينها، وأن يصل شيء من أثرها إلى البيت. والمواطن حين يسمع عن نمو الاقتصاد واتساع الفرص وتحقق الفوائض المالية، يتمنى أن يرى أثر ذلك في تفاصيل حياته، وفي قدرته على الوفاء بالتزاماته دون أن يبقى الشهر أطول من راتبه.

وحين يأتي آخر الشهر، لا نريد من رب الأسرة أن يفتح حسابه ليحسب كم بقي من الأيام، ونريده أن يجد فيه ما يكفي أسرته ويمنحه بعض الاطمئنان للمستقبل. فالتنمية التي يشعر بها الناس هي التي تدخل بيوتهم وتخفف أعباءهم وتترك في حسابهم شيئا بعد أن تنتهي الالتزامات.

ويبقى الوطن أكبر من أن تكون مسؤوليته على جهة بعينها، فمسيرة البناء مسؤولية مشتركة، لكل فرد فيها دور، ولكل جهد صادق أثر. فالحكومة تخطط وتيسر، والقطاع الخاص يستثمر ويوظف، والمواطن يعمل ويدبر، وحين تلتقي هذه الأيدي يصبح الشهر أقصر على القلق وأطول على الفرحة. وما نقدمه اليوم من عمل وإخلاص وتعاون هو ما يصنع لوطننا غدًا أكثر استقرارًا وقدرة على التقدم، ويهيئ لأبنائنا مستقبلًا يليق بطموحاتهم وبالمكانة التي نريدها لوطننا.

الأكثر قراءة

z