الشباب طاقة اليوم وقيادة الغد

 

 

 

أنيسة الهوتية

العالم على صفيح ساخن مضطرب بين الأزمات المعيشية وارتفاع الأسعار والبطالة مع مطالب الإصلاح والتغيير. وقد شهدت دول أوروبية وغير أوروبية متعددة، خلال الأيام الماضية، أعمال شغب واحتجاجات غاضبة، فيما تتواصل في بعض الدول التوترات بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع جودة الخدمات وضعف معدلات الدخل.

وما يحدث في العالم لا يعني أن السيناريو سيتكرر، ولكنه مُعدٍ والاحتياط واجب، خصوصًا أن الشباب يتابع الأحداث لحظة بلحظة، ويعيش بعضهم تحديات مشابهة تتعلق البطالة وأوقات الفراغ.

ويقدم التاريخ دروسًا لا ينبغي تجاهلها. ففي فرنسا، أدت الأزمة المالية وارتفاع أسعار الخبز وتفاوت الامتيازات، إلى جانب المطالب السياسية والاجتماعية، إلى اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789 وسقوط الملكية القديمة. ثم شهدت البلاد اضطرابات وتحولات متتابعة، قبل أن يسقط حكم نابليون الإمبراطوري بعد الحروب الأوروبية. لم يكن الفقر وحده سبب هذه الأحداث، لكنه تفاعل مع أزمات الحكم والصراع على السلطة.

وفي منطقتنا العربية، شهد العراق وسوريا انقلابات متكررة، كما عرف السودان انقلابات واضطرابات وحروبًا داخلية، ورغم أن للكل تجربة ظروفها السياسية والتاريخية الخاصة، إلا أن الدرس المشترك يؤكد أنه ليست البطالة وحدها هي التي تؤدي حتمًا إلى الفوضى، بل إن تراكم الأزمات دون معالجة فعّالة، قد يجعل استقرار الدول أكثر هشاشة. ومن منا لا يتذكر اضطرابات ما سُمي بـ"الربيع العربي" في تونس ومصر وعدد من الدول في 2011.

الشباب طاقة تشبه النهر؛ إذا وجد مجراه، أحيا الأرض، وإذا سُدّت أمامه الطرق، ظل يبحث عن منفذ؛ فالشاب يحتاج إلى وظيفة تمنحه راتبًا يعيش منه، وتساعده على الاستقلال وبناء مستقبله، كما يحتاج إلى مجال يفرّغ فيه طاقته ويطوّر مهاراته. أما الانتظار الطويل بلا عمل أو تدريب أو نشاط، فقد يزيد الإحباط لدى بعض الشباب، ويجعلهم أكثر عرضة لسلوكيات ضارة، من المشاحنات والتخريب إلى بعض الجرائم، خاصة عندما تجتمع البطالة مع التهميش وغياب الأمل. وهذا لا يعني أن الشباب مصدر خطر، ولا أن الاحتجاج السلمي جريمة. والمطالبة بالإصلاح حق مشروع، والمطلوب هو معالجة الأسباب وفتح أبواب الحوار.

والخسارة الأكبر لا تقتصر على ما قد يحدث اليوم، بل على ما قد نفقده غدًا؛ فالشاب الذي لم يجد فرصة ليصبح مهندسًا أو طبيبًا أو معلمًا أو مديرًا كفؤًا قد يكون كفاءة خسرها المجتمع. والقادة لا يولدون جاهزين؛ إنهم يتعلمون من العمل والتجربة وتحمل المسؤولية. وإذا أردنا بعد عشرين عامًا مؤسسات قوية وقيادات مؤهلة، فعلينا أن نبدأ إعدادها الآن.

ويمكن أن تبدأ الحلول ببرامج تدريب مدفوع ترتبط بالتوظيف، وتنظيم لقاءات تجمع الباحثين عن عمل بأصحاب المؤسسات، وفرص للشباب في تنظيم الفعاليات والخدمات المجتمعية. ويمكن لكل ولاية تنظيم دوريات رياضية مستمرة، وورش في المسرح والكتابة والتقنيات الحديثة، ومبادرات تطوعية يتولى الشباب إدارتها بأنفسهم. فهذه ليست أنشطة لملء الوقت فقط؛ إنها مدارس عملية للانضباط والتعاون والقيادة.

والأهم أن نمنح الشباب مسؤوليات حقيقية، ونستمع إلى احتياجاتهم، ونقيس نجاح البرامج بما توفره من وظائف ومهارات وفرص تقدم، لا بعدد الفعاليات وحده. فالاستقرار لا يُبنى بتجاهل المشكلات، بل بمعالجتها قبل أن تتفاقم.

إن الشباب هم كوادر المستقبل ولبنة البناء الأساسية للوطن. وحين نوفر لهم العمل، ونفتح أمامهم أبواب الرياضة والثقافة والابتكار والمشاركة، فإننا لا نستثمر في حاضرهم فقط، بل نُعدّ قادة الغد. فالنهر القوي ليس عبئًا حين يجد مجراه، وطاقة الشباب ليست هدرًا حين تتحول إلى إنتاج وإبداع ومسؤولية.

الأكثر قراءة

z