د. خالد بن علي الخوالدي
نشعر بالفخر والاعتزاز عندما تتصدر عُمان عناوين وسائل الإعلام العالمية ومواقع التواصل الاجتماعية بكونها الحضن الدبلوماسي الموثوق والركن الحصين للحكمة والوئام والسلام، والبلد الواعد اقتصاديا واستثماريا، ويزيدنا فخرا بأن كل هذه العناوين مجتمعة ومنفردة هي في نظر السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- في زياراته الخارجية المختلفة.
وإن كانت الزيارة الحالية للمملكة المتحدة تأتي في إطار أوسع وأشمل، إطار يحقق البعد السياسي والاقتصادي التي رسخته عُمان خلال العقود الماضية ومنذ قرون، وهنا لا بُد من ذكر حقيقة ثابتة وراسخة مفادها أن هناك دولًا ترفع صوتها وتصنع حضورها بالضجيج ولكنها ليست مسموعة، ودول تملك القوة ولكنها ليست قادرة على صنع السلام، بينما عُمان حافظت على نهجها وأسلوبها وطريقتها؛ فهي تصنع مكانتها بالحكمة والمواقف والتاريخ وبلغة العقل والاتزان، وعبر تاريخها الطويل اختارت أن تتحدث بلغة الكبار، وأن تكون حاضرة حين يغيب الحوار ومؤثرة حين تتعقد المواقف ومحل ثقة حين تضيق مساحات التفاهم بين الأطراف المتنازعة.
وهذا النهج- كما قُلت سابقًا- مستمر عبر قرون وامتداد وأرث حضاري وسياسي عريق، رسخته القيادة العُمانية عبر مراحل التاريخ، وتعزز في عهد السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الذي أرسى دعائم سياسة خارجية تقوم على احترام الدول وعدم التدخل في شؤونها، ومد جسور الصداقة مع الجميع، واليوم يواصل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- هذا النهج بحكمة واقتدار، مستندا إلى ثوابت راسخة ورؤية تستوعب المتغيرات الدولية وتتعامل معها بثقة ووعي.
إنَّ الحديث عن عُمان بوصفها دولة سلام لا ينبغي أن يفهم على أنه تعبير عن ضعف أو عجز عن اتخاذ المواقف، فالسلام الذي تنشده عُمان هو سلام الأقوياء لا سلام الضعفاء، إنها قوة القرار المستقل وقوة الموقف المتزن وقوة الدولة التي تعرف متى تتحدث ومتى تصمت ومتى تتدخل بالحكمة لإطفاء نار الخلاف، فليس من الشجاعة إشعال الحروب، وإنما الشجاعة الحقيقية في امتلاك القدرة على منعها، وليس من القوة الانتصار في المعارك وحدها، وإنما في تجنيب الشعوب ويلات الصراعات.
وقد أثبتت الدبلوماسية العُمانية في العديد من الملفات الإقليمية والدولية قدرتها على تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الحوار، حتى بين الأطراف التي يصعب جمعها على طاولة واحدة، وهذه المكانة لم تأتِ مصادفةً، وإنما صنعتها عقود من المصداقية والثبات واحترام العهود، حتى أصبحت مسقط عنوان للثقة وصوت للعقل في عالم تتزايد فيه الأزمات والتوترات.
وتأتي زيارة دولة يقوم بها جلالة السلطان المعظم إلى المملكة المتحدة لتؤكد جانبًا من هذه المكانة الدولية، وتعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وما تحظى به عُمان من احترام وتقدير، غير أن قراءة هذه الزيارة وغيرها من الزيارات السامية لا ينبغي أن تتوقف عند أبعادها السياسية والدبلوماسية، فهناك بعد آخر لا يقل أهمية يتمثل في الطموح الاقتصادي والتنموي الذي تتطلع إليه عُمان في حاضرها ومستقبلها.
عُمان التي تتحدث بلغة الكبار سياسيًا، تسعى اليوم لأن تكون في مصاف الكبار اقتصاديًا، وهذا طموح مشروع تستحقه دولة تمتلك التاريخ والموقع والإمكانات والإنسان القادر على صناعة المستقبل، ومن هنا تبرز أهمية الشراكات الدولية واستقطاب الاستثمارات النوعية ونقل المعرفة والتكنولوجيا وتوسيع مجالات التعاون في الصناعة والطاقة والسياحة والخدمات اللوجستية والتعليم والابتكار.
ورؤية عُمان 2040 التي أسسها جلالته- أيده الله- ويعمل حاليًا على تحقيقيها، ليست مجرد أرقام ومستهدفات، وإنما مشروع وطني لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية، يفتح آفاقًا أوسع أمام الشباب، ويحول المزايا الجغرافية والموارد الطبيعية والعلاقات الدولية إلى فرص إنتاج وعمل وازدهار، فالنجاح الدبلوماسي يكتسب قيمة إضافية حين ينعكس على الاقتصاد وتزداد قوة الدولة حين تتكامل مكانتها السياسية مع قدرتها الإنتاجية والتنافسية.
وعُمان اليوم لا تبحث عن مكان لها بين الكبار، فهي حاضرة بتاريخها ومواقفها ومصداقيتها، وإنما تعمل على تعزيز هذا الحضور بمنجزات اقتصادية وتنموية تليق بطموحاتها، فالدول الكبيرة ليست بالضرورة تلك التي تتسع حدودها، وإنما تلك التي تتسع رؤيتها وتكبر إنجازاتها وتحظى باحترام العالم، وستظل عُمان تتحدث بلغة الكبار؛ سلام من منطلق القوة، وحكمة من منطلق الثقة، وتنمية من منطلق الطموح، ووطن يعرف قدره ويمضي بثبات نحو المكانة التي يستحقها.
ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.
