عُمان التي نريدها.. كيف نحافظ على روح المجتمع في زمن التغيير؟

 

 

 

عبيد بن حمدان المعمري

[email protected]

 

 

 

هل نستطيع المضي نحو المستقبل، بكل ما يحمله من سرعة وتقنية وتغير في أنماط الحياة، دون أن نُسقط من أيدينا روح عُمان التي ألِفناها؟ لعل هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا ونحن نعايش تحولات متسارعة تعيد تشكيل تفاصيل يومنا.

التغيير سنة الحياة، والوقوف في وجهه رهان خاسر لم يُطلب منا أصلًا؛ فالمدن تتسع، والفضاء الرقمي بات شريكًا في تفاصيل البيوت، والشباب يحملون طموحات تتجاوز قوالب الأمس. لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: ما الذي نأخذه معنا، وما الذي نتركه خلفنا؟

روح المُجتمع العُماني لم تقترن يومًا بمظاهر العيش المادية، بل بجوهر العلاقات وسلوك الناس؛ بحشمة المجلس، وسؤال الجار، وتماسك الأسرة، والفزعة الصادقة وقت الشدة. تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها الفارق الحقيقي بين "مجتمع حي" وبين مجرد أفراد يتقاسمون الرقعة الجغرافية ذاتها.

حتى "السبلة" تغيّر إيقاعها اليوم، وأصبح الهاتف حاضرًا بين الجالسين؛ نقترب فيه من الغائبين بثوانٍ، ونبتعد أحيانًا عن الجالس بجوارنا. المعضلة ليست في الآلة، بل في استسلامنا لإزاحة الدفء الإنساني لصالح الشاشات. ولأن الفضاء الرقمي بات امتدادًا لواقعنا، فالأولى أن تسكنه أخلاقنا ذاتها: التثبت قبل الحكم، والكلمة الطيبة التي لا تجرح.

تبقى الأسرة خط الدفاع الأول، ليس بالوعظ المكرر، بل بالفعل اليومي المشاهد؛ فالقيم تُكتسب بالمعايشة لا بالنصح فقط. كما أن اختلاف الشباب عن آبائهم ليس انخلاعًا عن الهوية، بل استجابة طبيعية لزمنهم. ليس المطلوب حبسهم في الماضي، بل تزويدهم بجذور صلبة تجعل حضورهم في المعارف والتقنيات الحديثة حضورًا عُمانيًا أصيلًا أينما ارتحلوا؛ فالمهم ليس أين يذهب الشاب، بل ماذا يحمل في قلبه وفكره.

لم تكن عُمان يومًا معزولة عن العالم؛ فتاريخها البحري كان جسرًا للتواصل الحضاري مع شعوب الأرض دون أن تذوب شخصيتها. لذا، لا نحتاج اليوم إلى الانكفاء لحماية خصوصيتنا، بل إلى انفتاح واعٍ ينتقي ما يضيف ويبني، ويتجاوز ما يشوه وينتقص. الحفاظ على الروح الجماعية مسؤولية تبدأ من أصغر تفاصيلنا: في رعاية الأماكن العامة، واحترام الاختلاف، وتوقير الكبير، والقيام بالواجب قبل انتظار المؤسسات.

عُمان التي نريدها هي عُمان المتقدمة تقنيًا واقتصاديًا، دون أن يبرد فيها دفء البيت أو تبهت قيمة التكافل؛ نُريد مجتمعًا يعرف بعضه ويصون إنسانيته.

عُمان التي نريدها ليست تلك التي ترفض التغيير فتتجمد، ولا التي تذوب فيه فتفقد ملامحها؛ بل عُمان التي تمضي مع الزمن، وهي على يقين تام بمن تكون.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z