هل نقد التاريخ تمردٌ على الثوابت والمسلّمات أم تحررٌ من الخوف؟

 

 

شيخة بنت عمر الخروصية

ماجستير في القيادة التربوية

حين بدأتُ دراستي للتاريخ في كلية التربية بجامعة الكويت عام 1996، كان بعض أساتذتي يضعون أمامي فكرة لم أستوعبها تمامًا، وهي أن التاريخ ليس حقيقة مُطْلقة، وأن ما دوّنه المؤرخون ليس بمنأى عن المراجعة والنقاش. وكان يُطلب منا، بوصفنا طلابًا للعلم، ألّا نكتفي بحفظ المرويات التاريخية وترديدها، بل أن نخضعها للنقد والتمحيص، للتأكّد من أن ما نقرأه لا تشوبه شائبة.

وربما بدا هذا الأمرُ عاديًا في نظر غيري، لكنه بالنسبة إليّ كان صعبًا، بل ربما قاسيًا. فلم يكن من السهل أن أتقبّل مبدأ نقد ومراجعة ما أقرأه وأتعلّمه. لقد كنت خائفة ومترددة؛ إذ لم أعتده من قبل، ولم أكن أحسبه ممكنًا.       

وظللتُ أتساءل في نفسي بتردد ورهبة: ألست أنا مجرد طالبة تخرّجت حديثًا من الثانوية العامة، ولا تزال تحبو وتتلمس طريقها في دروب العلم والمعرفة، وتحلم بنيل شهادتها الجامعية والعودة إلى وطنها لتصبح معلمة تاريخ؟ وما الذي أملكه من علم وتأهيل حتى أراجع ما دوّنه علماء ومؤرخون ومفكرون؟! إذا كنت لا أملك ما يكفي من العلم والخبرة، فكيف إذًا أتجرأ على مناقشة ومراجعة ونقد ما كتبه مؤرخون أفنوا أعمارهم في طلب العلم وتقصّي الحقائق؟! أليس من الواجب، في المقابل، أن أحني هامتي احترامًا وتقديرًا لهم وإجلالًا لعلمهم؟! ألا ينبغي أن أقف بين أيديهم وقفة المتلقية الشاكرة لفضلهم، المدركة أن كل ما أحصّله من علم لن يكون إلا قطرة ماء في محيط معرفتهم؟! وكيف لي أن أجرؤ على إبداء التحفّظ تجاه مرويات تناقلتها الأجيال بالتواتر وبالآحاد، واستقرت في أذهاننا كحقائق ومسلّمات معصومة عن المراجعة؟! أليس ذلك تمردًا على الثوابت والمسلّمات؟!

لقد كان الصراع في داخلي شديدًا. فقد كنت ممزقة بين احترامي لما أقرأه في مقرراتنا الدراسية والمصادر التاريخية، وبين ما كنت أتعلّمه عن ضرورة قراءة التاريخ قراءة نقدية واعية. فقد نشأت في بيئة محافظة، وأنتمي إلى أسرة عُرف عدد من أعلامها بالعلم والفقه، الأمر الذي رسّخ في داخلي تقديرًا كبيرًا للعلماء والمؤرخين، وثقة بعلمهم وإخلاصهم وأمانتهم. فهل من الحكمة أن أنقد مدوناتهم، وهم أهل العلم والاختصاص؟ وهل من المقبول أن أناقش أقوالهم وآراءهم وأحكامهم؟ أليست الحكمة تقتضي أن أتعامل مع كل ذلك باعتباره حقائق ثابتة؟، وأتخذ منه مرجعًا أحتكم إليه في التمييز بين الصواب والخطأ؟ كان مجرد التفكير في أن أنقد التاريخ أمرًا جسيمًا بالنسبة إليّ، يثير في نفسي شعورًا بالخطيئة والجحود، وخوفًا من الخروج عمّا ألفناه وتوارثناه. 

ولم يكن تردّدي في نقد المرويات التاريخية نابعًا من رهبة النقد والشعور بأنني لم أكن أملك من العلم والكفاءة ما يؤهلني لذلك فحسب، بل ارتبط أيضًا بما كنت أحمله من إجلال لعلماء بلدي ومن تقدير لإرثهم العلمي. فوجدت صعوبة في استيعاب فكرة إخضاع ما دوّنوه للمراجعة والنقد. وازداد هذا الشعور لديّ لارتباطي العائلي ببعض أولئك العلماء الأجلاء. فجدي، الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، وأخوه الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي، وغيرهما من آبائهما وأجدادهما، كانوا من العلماء الذين أعتز بما تركوه من إرث علمي. وقد جعلني هذا الارتباط أكثر حساسية تجاه تقبل مبدأ نقد ما كُتب، إذ كنت أشعر بأنه يمكن أن يمس شيئًا عزيزًا في نفسي. كما كنت أخشى من أن يُفهم تقبلي لمبدأ نقد التاريخ على أنه تمردٌ أو انتقاصٌ من علمائنا أو جحودٌ لما أسهموا به في العلم والمعرفة.

وبذلك، ظلّت هذه الهواجس والحيرة تعصف بفكري، حتى جاءت أخيرًا بداية التحوّل والانطلاقة الحقيقية في نظرتي إلى التاريخ، وذلك قبيل تخرجي من الجامعة. إذ وصل إلى مسامعي الحديث الذي تفضّل به سيد عُمان وقائدها العظيم، جلالة السلطان قابوس - طيّب الله ثراه وأكرم مثواه - لأبنائه بجامعة السلطان قابوس خلال زيارته لها عام ٢٠٠٠م. ولم أكن أنظر إلى جلالته بوصفه سلطانًا ووليَّ أمرٍ واجب الطاعة والولاء فحسب، بل كانت محبتي له عظيمة، ومكانته في نفسي رفيعة. وكنت أراه قدوتي ومثلي الأعلى في سلوكي وتفكيري. وأثق بحكمته وبصيرته. وأسترشد بنهجه الحكيم، ونظرته الثاقبة، ورؤيته السديدة. ولذلك لم يكن وقع حديث جلالته عليّ عابرًا. إذ كان أثره عميقًا في نفسي.  وظل صداه يتردد في عقلي ووجداني. وانتشلتني كلماته المضيئة من الدوّامة التي كنت أعيشها. وأعادت ضبط بوصلتي. وفتحت أمامي أفقًا جديدًا للتفكير. ومنحتني الطمأنينة والشجاعة لمراجعة ما أتعلّمه من كتب التاريخ، وطرح الأسئلة التي طالما تردّدت في طرحها، دون خوف من الأحكام المسبقة.

قال جلالة السلطان المعظم في هذا الحديث الفكري العميق: "التاريخ الذي كُتب منذ قرون مضت أحيانًا فيه الكثير من التهويل والكثير من التحريف والكثير مما هو كُتب بأهواء أكانت أهواء سياسية أو أهواء أخرى". وأضاف جلالته: "تناقضات كبيرة في التاريخ، ولذلك أيضًا التاريخ يحتاج إلى نظرة. عندما نقرأ التاريخ لا نقرأه بعلاته، نتدبر ونتفكر ونعود بأفكارنا إلى الزمن خلال ذلك الزمن". ثم قال جلالته: "التاريخ خذوه بحذر وتدبروا فيه وتفكروا فيه هذا طلاب التاريخ وانتقدوه وعودوا إلى الماضي وفكروا كيف كانت الحالة في ذلك الزمان وما كتب انه ليس كله يجب علينا أن نردده كالببغاء". وشدّد جلالته: "مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد هذه من أكبر الكبائر. ونحن لن نسمح لأحد أن يصادر الفكر أبدًا، من أي فئة كانت".

لقد أدركت من هذا النطق السامي أنه بالرغم من أن احترام المؤرخين وتقدير جهودهم أمر واجب، إلّا أنه لا يعني التسليم بكل ما كتبوه، أو الامتناع عن مناقشة ما دوّنوه. فهم بشر مثلنا اجتهدوا في نقل ما وصل إليهم من علم. وبذلوا جهدًا عظيمًا في الاقتراب من الحقيقة، في حدود ما توافر لهم من مصادر وأدلة. ومهما بلغوا من العلم والأمانة والإخلاص، فإنهم لا ينفصلون تمامًا عن بيئتهم. وقد تتأثر كتاباتهم باجتهادهم وفهمهم ومصالحهم وخلفياتهم الفكرية، والأفكار السائدة في عصرهم، والظروف السياسية والاجتماعية التي عاشوها. وبالتالي فإن ما تم تدوينه ليس بالضرورة صورة مكتملة عمّا حدث، وقد تشوبه المبالغة أو التحريف عمدًا أو سهوًا. كما أن ظهور أدلة جديدة، قد يقلب فهمنا لروايات ظللنا نعدها حقائق وثوابت ومسلّمات.

وفهمت من تشبيه جلالة السلطان -طيّب الله ثراه - لمن يردّدون ما يقرؤونه بـ "الببغاء"، بأن جلالته كان يهدف إلى تقريب الفكرة إلى أذهان الطلبة. كما أراد التنبيه إلى خطورة أن يتحوّل طالب العلم، والإنسان عمومًا، إلى مجرد ناقل يكرّر ما يقرأه ويسمعه دون تفكّر في صحته. وفي ذلك دعوة من جلالته لأبنائه الطلبة كي لا يتخلّون عن حقهم في إعمال عقلهم وتدبرهم، فيقبلون كل ما يُعرض عليهم دون تمحيص أو مراجعة.    

كما استوقفتني كلمات جلالته الحكيمة، وأنا على أعتاب التخرج من الجامعة لأكون معلمة للتاريخ، لتنبهني إلى مسؤوليتي في التعامل مع التاريخ ومروياته. وكذلك إلى عظم الدور الذي سأؤديه في تربية الأجيال وتشكيل وعيها بما تقرأه وتتعلمه عن تاريخها. ولأول مرة، وبفضل جلالته، أخذت أستوعب بوضوح أن إجلال العلماء والمؤرخين وتقدير عطائهم لا يستلزم تعطيل العقل، ولا التسليم المطلق بكل ما دوّنوه في كتبهم. ولا شك أنهم أصابوا في كثير مما كتبوا، غير أن بعض ما دوّنوه قد يحتاج إلى شيء من التدقيق والمراجعة.

في خضم ذلك الصراع الداخلي الذي كنت أعيشه، والذي بدّد الحوار السلطاني السامي معظمه، استوقفتني الحكمة الشهيرة للإمام الشافعي، أحد كبار علماء الإسلام وأئمة الفقه: "قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب". وقد وجدت في هذه العبارة الحكيمة ما أزاح جانبًا كبيرًا مما تبقّى في داخلي من تردّد وحيرة. إذ لمست فيها قمة التواضع العلمي من عالم جليل يُقرّ بأن اجتهاده، وإن رآه صوابًا، ليس معصومًا من الخطأ. ووجدت في هذا المعنى مبدأً جديرًا بأن أسترشد به، كطالبة علم، في قراءتي للتاريخ. كما ازدادت قناعتي بأن مناقشة ما دوّنه العلماء والمؤرخون لا تنتقص من جهودهم، ولا تقلّل من مكانتهم، بل تمثّل سعيًا للتحقق مما نقلوه، والوصول إلى الحقيقة.

وفي محطة أكاديمية أخرى، حينما كنت طالبة في الدراسات العربية بجامعة باريس-٨ بفرنسا عام ٢٠١٤م، عشت تجربة مختلفة في تفاصيلها، لكنها التقت مع ما سبقها في دلالاتها. كما عزّزت لدي القناعة بأهمية مناقشة ما دوّنه السابقون والتحقق مما ورد فيه. فقد شاركت في تمرين قصير، يُبين كيف تُحرّف المعلومات وتتحوّل إلى شائعات أثناء انتقالها بين الأفراد. في مستهل التمرين، همس المدرب بمعلومة في أذن أحد المشاركين، وطلب منه أن ينقلها إلى الشخص الذي بجواره، لينقلها بدوره إلى المشارك التالي. انتقلت المعلومة من شخص إلى آخر، حتى وصلت إلى آخر مشارك في المجموعة. توقعنا جميعًا أن تصل تلك المعلومة إلى النهاية تمامًا كما قيلت في البداية، لكن ما حدث كان مختلفًا. فحينما طلب المدرب من آخر مشارك الكشف عن المعلومة، اتضح بأن بعض تفاصيلها قد تغيّرت، وتبدّلت بعض كلماتها، وحتى معناها ومضمونها لم يسلم من الاختلاف. حدث كل شيء خلال دقائق، وفي مكان واحد، وبين أشخاص كانوا يسمعون المعلومة مباشرة وينقلونها تباعًا.

تعلّمت من هذا التمرين أن المعلومة المنقولة ليست بحاجة إلى سنوات أو أجيال متعاقبة لتتغير. وأن الإنسان، مهما بلغت أمانته وموثوقيته ودقته وحرصه، فإنه لا ينقل إلّا ما يفهمه وما يستوعبه ويتذكره. قد تسقط من ذاكرته بعض التفاصيل الأصلية. وقد تختلط بها تفاصيل سمعها في وقت سابق. وقد يضيف إليها شيئًا يظنه جزءًا منها، أو يعيد صياغتها لتصبح أكثر جاذبية وتأثيرًا في المتلقي. وقد يحدث كل ذلك من دون قصد منه، ومن غير رغبة في التحريف. ومع ذلك، قد تتغير الرواية ويتبدل معناها الأصلي، سواء بقصد من ناقلها، أو دون أن يدرك أنه أسهم في هذا التغيير.

وقد ذكّرتني نتيجة هذا التمرين بمقولة وردت في إحدى قصص الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو، ومفادها: "لا تصدّق شيئًا مما تسمع، وصدّق نصف ما تراه فقط". ورغم ما قد تنطوي عليه هذه العبارة من مبالغة، إلّا أنها عزّزت قناعتي بأن ما نقرأه وما نسمعه وما نراه قد يكون صحيحًا، ولكن ليس بالضرورة مطابقًا للواقع في جميع تفاصيله. فالشخص الذي نسمع روايته ربما لم يرَ المشهد كاملًا، أو لم يُدرك جميع أبعاده، وربما لا ينقل الحقيقة كما هي. ونحن حينما ننظر إلى شيء ما، فقد نكون كمن ينظر إليه من زاوية واحدة، فنرى جانبًا منه ونغفل جوانب أخرى مكمّلة له. أو نحن كمن ينظر إلى الشيء من خلال ثقب ضيّق، فلا نرى إلّا الجزء اليسير منه والذي يسمح لنا الثقب برؤيته. ومن هنا، ازدادت قناعتي بأن الشك القائم على البحث والتحقق والتدقيق قد يكون بداية الوصول إلى اليقين. غير أن هذا الشك ينبغي أن يظل متوازنًا. فتشكيكنا في كل ما نقرأه ونراه ونسمعه دون مسوّغ، لا يقل إشكالًا عن تسليمنا به دون تمحيص.

ومع توالي هذه التجارب، وما قادتني إليه من استنتاجات، بدأت تتضح لي أبعاد المسألة بصورة أعمق. عندها اتجهتُ إلى القرآن الكريم، لأجعله الميزان الذي أحتكم إليه، والمنهج الذي أسترشد به في التعامل مع المعارف التي ورثناها أو تناقلتها الأجيال، ومع ما يرد إلى مسامعنا. فوجدتُ الله عز وجل يأمر بالتبيّن عند تلقي الأنباء، إذ قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ]الحجرات: ٦[، وحذّر جلّ جلاله من اتّباع الظن، حيث قال: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. كما نهى عن اتّباع ما لا يقوم على علم، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. 

ثم وجدتني أتأمل الآيات الكريمة التي تعرض موقف الإنسان حين يتمسك بما ورثه عن أسلافه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ]لقمان: ٢١[، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ]الزخرف: ٢٢[. وقد دفعتني هذه الآيات الحكيمة إلى التفكير في الفرق بين الاعتزاز بما ورثناه عن السابقين، وبين التسليم به لمجرد أننا وجدنا أنفسنا عليه.

إن نظرتي النقدية إلى التاريخ، والتي أخذت تنضج تدريجيًا، رافقتني طوال عشر سنوات من عملي في تدريس مادة التاريخ، بدءًا من عام ٢٠٠٠م، في ثلاث مدارس ثانوية مختلفة. وقد انعكست هذه النظرة على أسلوبي في التدريس. فلم أكن أريد لطالباتي أن يكتفين بحفظ المادة لمجرد اجتياز الامتحانات. بل كنت أحثهن على قراءة التاريخ بتأمل، والتساؤل حول ما يقرأنه، ومحاولة فهم الأحداث بدلًا من الاكتفاء بحفظها ووضعها في ورقة الاجابة. وكنت أوضح لهن أن الدرجة قد تكون غاية تنتهي بانتهاء الامتحان، أما المعرفة الحقيقية فتبقى معهن، وتؤثر في طريقة تفكيرهن ونظرتهن إلى الأمور.

ثم جاءت دراستي للماجستير في القيادة التربوية، التي تُوّجت بالتخرج في عام ٢٠٢٥م، لتمنح هذا الاهتمام بُعدًا أعمق. إذ بدأت أطّلع عن كثب على مناهج البحث العلمي وأساليبه وأدواته، وما تقتضيه من إجراءات لجمع المعلومات وفحصها وتحليلها والتحقّق من موثوقيتها. وقد حملت رسالتي عنوان "نهج السلطان قابوس في قيادة التغيير في سلطنة عُمان: دراسة سردية تحليلية". وقد انطلق اختياري لهذا الموضوع من اعتزازي بجلالته ومحبتي له وتقديري لنهجه القيادي الفريد. غير أن هذا الاختيار كان يحمل في وجداني معنى أعمق؛ فقد رغبتُ في أن أردّ جزءًا يسيرًا من أفضاله التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

ولعلّ أعظم فضل أُدين به لجلالة السلطان، في سياق رحلتي الفكرية هذه، هو ما أحدثه جلالته من تحوّل في داخلي. إذ أتاحت لي هذه الدراسة الثرية آفاقًا أوسع في القراءة والتحليل، والاطلاع على معظم الوثائق والمؤلفات والروايات التي تناولت سيرة جلالته، والنظر إليها بعين فاحصة. بالإضافة إلى الاستماع إلى خطبه وأحاديثه، والتأمل فيما تضمنته من أفكار حكيمة وتوجيهات سديدة. فبفضل جلالته، أخذتْ مخاوفي من نقد التاريخ تتلاشى، وتحرّرتُ تدريجيًا من ذلك التردّد الذي كان يجعلني أتهيّب مراجعة ما ورثناه من روايات وأفكار ترسّخت في أذهاننا حتى غدت من المسلّمات.

وكانت المفاجأة، أنني بينما كنتُ أُنقّبُ عن المقاطع المرئية والصوتية لجلالة السلطان قابوس للاستماع إلى أحاديثه في إطار إعداد رسالتي للماجستير، صادفتُ مقاطع عديدة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، بدرجة عالية من الإتقان، تتناول موضوعات مختلفة. كان الكثير من هذه المقاطع تُظهر شخصيات بارزة من مختلف المجالات رحلت عن عالمنا وكأنها لا تزال تتحدث وتناقش، حتى بتُّ لا أستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيّف. وقد حتّم عليّ ذلك بذل جهد عظيم للتحقق من أصالة المقاطع التي عثرت عليها والمتعلقة بجلالته. لم يكن ذلك عن شكٍّ في صحتها، ولا افتراضٍ مسبقٍ لزيفها، بل توثيقًا لها واطمئنانًا لأصالتها. ولأجل ذلك، رجعتُ إلى مصادر نشرها، وقارنتُها بالتسجيلات المتاحة من جهات موثوقة. كما راجعتُ ما كُتب عنها، وتحققتُ من سياقاتها التاريخية.

لقد علمتني هذه التجربة أن التحدي لم يعُد مقتصرًا على كشف زيف المحتوى، بل امتد ليشمل التشكيك في أصالته، وفي هوية من يُنسب إليه قوله أو إنتاجه. فأصبح الشك يطال المحتوى وصاحبه معًا، بعد أن كان ينصبّ أساسًا على صحة الرواية ومصداقيتها. لقد كنا في السابق نتعامل مع ما يتم تدوينه على أنه أصيلٌ حتى يثبُت زيفه. أما اليوم، فنحن نتجه إلى التعامل معه على أنه مزيّفٌ حتى تثبُت أصالته.  

ولم تقف آثار رحلتي الفكرية أثناء إعدادي لرسالة الماجستير عند حدود التحقق من أصالة المعلومات والروايات، بل امتدّت إلى طريقة تعاملي مع الأفكار المختلفة، وإن بدتْ هذه الأفكار لا تنسجم مع ما ألِفته من ثوابت ومسلّمات. لقد تطلّب مني إعداد رسالة علمية رصينة أن أوسّع دائرة قراءاتي، وأن أطّلع على ما كتبه الآخرون، على اختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم ووجهات نظرهم. وأدركتُ أن الاطلاع على الروايات المتعدّدة، باختلاف منابعها، ومقارنتها ببعضها البعض يتيح لي التحقق من دقة ما دُوّن. كما يساعدني على اكتشاف ما قد يتخلله من نقصٍ أو مبالغةٍ أو تحيّز. كما أدركتُ أن الاكتفاء بما ألِفتُه يحجب عني جوانب من الحقيقة. وهكذا، تعلّمتُ ألّا أعتمد روايةً لمجرد موافقتها لقناعاتي، ولا أرفض أخرى لمجرد اختلافها معها، بل أقرأ وأقارن وأمحّص.

الخلاصة أنني، بفضل الخبرة التي اكتسبتها من رحلتي الطويلة في تجاوز خوفي من نقد التاريخ، أدركتُ أن الوعي الحقيقي يولد من قلب المعاناة، وأن الشجاعة تنبثق من مواجهة الخوف. ولذلك لم أعدْ أرى التاريخ مجرد أحداث مضت وانتهت، وصفحات طُويت لا حاجة لمراجعتها أو التقصي عنها. لقد أيقنت أن التاريخ جزءٌ لا يتجزأ من الجذور التي تشكّل حاضري وتؤثر في فهمي لواقعي. وتعلّمتُ أن القراءة الواعية للتاريخ، مع ما أتلقّاه باستمرار من معارف وأفكار، تقتضي ألّا أكتفي بترديدها دون أن أتحقّق من أصلها. كما اقتنعتُ بضرورة ألّا أسلّم بكل ما ورد عن السابقين دون مراجعة، وألّا أرفض ما يخالف قناعاتي لمجرد اختلافه معها. بل يتوجب عليّ أن أُحكّم عقلي فيما أقرأ وأسمع، وأن أبقى منفتحة على الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر. وحين أستحضر دعوة جلالة السلطان قابوس - طيّب الله ثراه - إلى صون الفكر من المصادرة، وإعمال العقل والتدبر والاجتهاد، أجد فيها ما يُعزّز قناعتي بأن المعرفة لا تنمو بالخوف من توجيه الأسئلة، ولا تُصان برفض مناقشة الأجوبة. وقد تجلى لي، ولا سيما من خلال هذه الدعوة السامية، أن الحقيقة لا تُدرك بمجرد التسليم بما نشأتُ عليه واعتدتُه، بل بالسعي الدؤوب إلى التحقّق منها، مهما تطلّب ذلك مني شجاعة فكرية وتحررًا من الأحكام المسبقة. ومن هنا، وجدتُ الإجابة عن التساؤل الذي طالما أرّقني وأثقل فكري، وظل يُلاحقني في كل محطة من رحلتي الفكرية: هل نقد التاريخ تمردٌ على الثوابت والمسلّمات، أم تحرّرٌ من الخوف؟"

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z