د. أحمد بن محمد الهنائي
تتولى المدارس الخاصة القيام بدور كبير في تنويع المسارات التعليمية، وتلبية احتياجات الأسر، والمساهمة في إعداد الأجيال. ويرتبط نجاح هذه المؤسسات التعليمية في مدى قدرتها على الجمع بين عدة معايير تتمثل في: جودة التعليم، وكفاءة الإدارة، وسلامة الإجراءات. وانطلاقًا من ذلك؛ تبرز أهمية الامتثال المؤسسي بوصفه نهجًا تُترجم من خلاله المتطلبات القانونية والتنظيمية إلى سياسات واضحة، ومسؤوليات محددة، وممارسات مهنية مستقرة.
وغنيٌ عن البيان أن البيئة المدرسية تتقاطع فيها العلاقات التعليمية، والإدارية، والتعاقدية، وذلك من خلال التواصل النسقي بين عدة أطراف تتمثل في: حقوق الطلبة، وأولياء الأمور، والعاملين. ومن ثمّ، فإن ترسيخ الامتثال يساعد المدرسة على اتخاذ قرارات منضبطة، والحد من المخاطر، ومعالجة المشكلات في مراحلها المبكرة، بما يعزز الثقة في أدائها والخدمات التي تقدمها.
وتأسيسًا على ذلك؛ فان بيان هذا الامتثال يتطلب بيان محاوره، وتفكيك مفاصله، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: الوعي بالمتطلبات القانونية والتنظيمية
لا غرو أن الامتثال المؤسسي يبدأ بمعرفة المدرسة بالأحكام المنظمة لنشاطها، وفهم نطاق تطبيقها، ومتابعة إجراءاتها. ويشكّل قانون التعليم المدرسي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (31/2023) الشريعة القانونية لمنظومة التعليم المدرسي في سلطنة عُمان؛ إذ يتبنى العديد من الشروط والمقررات كالحصول على ترخيص لإنشاء المدارس الخاصة، والمساواة بين الطلبة في تلقي الخدمة التعليمية، والحصول على تعليم ذي جودة عالية.
ولا جرم أن سلامة التطبيق تقتضي النظر إلى النصوص الحاكمة لمساقات العملية التعليمية، والأحكام المنظمة لكل من الهيئة التدريسية، والكادر الإداري المكمل لمسيرة النظام التعليمي، وسائر التشريعات ذات الصلة، كلٌّ في نطاقه. فقد يرتبط القرار المدرسي بأكثر من إطار قانوني، وهو ما يستلزم التحقق من شروطه وإجراءاته، قبل القيام بالموافقة عليه واعتماده.
وتجويدًا لمنظومة العملية التعليمية فقد يكون من المناسب قيام المدرسة بوضع سجل تنظيمي مُحدَّث للمُتطلِّبات المُنطبِقة عليها، يبيّن التزاماتها، والمسؤول عن متابعتها، والمواعيد المرتبطة بها. إذ أن الفائدة المرجوة تتحقق من خلال الفهم المتاح للمختصين، والانتظام في ترجمة محتوياته إلى موقع الإنجاز.
ثانيًا: تحويل المُتطلِّبات إلى إجراءات يومية
تتجلى فاعلية الامتثال في كيفية إدارة المدرسة للمواقف اليومية؛ كالتعامل مع شكوى ولي أمر، أو معالجة مخالفة سلوكية، أو اتخاذ قرار يتعلق بأحد العاملين. فمثل هذه المواقف تكون بحاجة إلى اتباع إجراءات سليمة، واتخاذ قرار من مسؤول يملك الصلاحية، وتوثيق يتناسب مع طبيعة الواقعة.
لذلك، يُستحسن أن تقوم المدرسة بتطوير منظومة السياسات والإجراءات المتبعة لديها لتتناسب مع حجمها ونشاطها، ومن بين ذلك على سبيل المثال لا الحصر: عملية القبول والتسجيل، وآلية التواصل مع أولياء الأمور، ومعالجة الشكاوى، والسلامة المدرسية، وإدارة شؤون العاملين، وحماية المعلومات. وبطبيعة الحال يجب أن تتسم هذه الإجراءات بالوضوح والشفافية، وسهولة التطبيق، وأن تخضع للمراجعة الدورية، خاصة عند تغير التشريعات والأنظمة، أو ظهور صعوبات تعيق من تنفيذها.
ولبيان ذلك؛ يمكن تنظيم معالجة شكوى ولي أمر من خلال تسجيلها، وجمع وثائقها، والاستماع إلى أطرافها، وفحص وقائعها، وتحليل مستنداتها، ثم إبلاغه بنتيجة المعالجة في مدة مناسبة، مع مراعاة ما تقتضيه الواقعة من خصوصية وحدود الإفصاح المتاحة. ولا مناص أن هذه التنظيم يساعد على اتساق القرارات، وحفظ حقوق الأطراف، والحد من تكرار أسباب الشكاوى.
ولا محيص من أن الامتثال يستصحب وضوح الصلاحيات بين مالك المدرسة، وإدارتها، والعاملين فيها، في ضوء الأحكام المنظمة؛ حيث إن دقة تحديد الاختصاصات ونطاق اعتماد القرارات يعزز الشفافية، ويفعل المساءلة، ويحد في الوقت ذاته من تداخل وازدواجية الاختصاصات، بالإضافة إلى تقديم الدعم اللازم للاستقرار المهني المدرسي.
ثالثًا: بناء القدرات وتحسين الممارسة
لا مَعْدىً أن نجاح الامتثال يعتمد على قدرة العاملين على فهم المتطلبات وسلامة تطبيقها. ومن هنا، تبرز حاجة هذه المدارس إلى القيام بتدريب وتأهيل موظفيها نظريًا من حيث الالمام بالنصوص القانونية واللوائح التنظيمية الحاكمة لمهامهم الوظيفية، وعمليًا من خلال ربط تلك النصوص والأنظمة بالمواقف والممارسة العملية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: عملية توثيق الوقائع، وكيفية التعامل مع الشكاوى، وطريقة إدارة السلوك، وحماية معلومات الطلبة، وسلامة تطبيق الإجراءات الإدارية.
وغني عن البيان أن فائدة التدريب تتحقق حين يُبنى على حالات واقعية، ويتجلى في متابعة أثره الأدائي؛ حيث إن الهدف الأسمى من التدريب يكمن في تبصير الموظف من التعامل مع مختلف المواقف، والمعرفة السليمة في الوقوف عند الاختصاص، والقدرة على اتخاذ الإجراء المناسب، والرجوع إلى المختصين عند الحاجة، لا أن يقتصر على الكم الهائل من الاثراء المعرفي.
ولدعم هذا التوجه، يتطلب الأمر قيام المدرسة بوضع مؤشرات متابعة بسيطة، قد تتمثل في مدى الالتزام بالمواعيد التنظيمية، واكتمال السجلات، والوقت المستغرق لمعالجة الشكاوى، ومدى تنفيذ الإجراءات التصحيحية. إذ أن المراجعة الداخلية المنتظمة تساعد على اكتشاف أوجه القصور، وبيان موضع الخلل، وتحديد أولويات التحسين، وتحويل نتائج المتابعة إلى إجراءات عملية تدعم تصحيح المسار، وجودة الأداء.
وصفوة القول.. إنَّ ترسيخ الامتثال المؤسسي في المدارس الخاصة يعزز من قدرتها على أداء رسالتها التعليمية، ويحمي حقوقها، ويخلق بيئة عمل آمنة وصحية. كما أن اقتران المعرفة بالمتطلبات يؤدي إلى سلامة التطبيق في الإجراءات، واستدامة الثقة بين المدرسة والعاملين، والطلبة، وأولياء أمورهم. وبغية تحقيق ذلك، نضع تحت نظر إدارات المدارس الخاصة التوصيات الآتية:
1- إعداد دليل داخلي موجز للامتثال، يحدّد المتطلبات الأساسية والإجراءات والمسؤوليات، مع تحديثه بصورة دورية.
2- إسناد متابعة الامتثال إلى مسؤول مختص، مع بقاء مسؤولية التنفيذ لدى كل مختص.
3- تنفيذ برامج تدريبية دورية للإداريين والمعلمين، تُبنى على احتياجات المدرسة والمواقف العملية المتكررة.
4- مراجعة العقود والسياسات والنماذج المستخدمة؛ للتحقق من وضوحها واتساقها مع النصوص والأنظمة النافذة.
5- تقنين المواقف اليومية، وتفنيد الإجراءات الصادرة بشأنها، للعمل على وضع خطة تصحيح تحدد الإجراء السليم، مع بيان المسؤول عن التنفيذ.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
