د. أحمد بن علي العمري
لماذا هذه الغطرسة والتبجح والنظرة الفوقية المتعالية من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة العظمى حاليًا، ويتوجب عليها أن تكون القدوة؟ فلماذا تصعّد ضد جهة من شأنها واختصاصها وهمّها هو نشر العدل والمساواة والطمأنينة بين جميع قاطني الكوكب الأرضي؟
ولماذا تفرض العقوبات في نفس اليوم التي تمنح فيها القاضية الدولية نافي بيلاي Navi Pillay جائزة نوبل للسلام لعام 2026، تقديرًا لجهودها المستمرة والحثيثة في تعزيز السلام والقانون الدولي، ودورها في محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية طوال مسيرتها المهنية الطويلة؟
هل هي غيرة لأنه لم ينلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى جاهدًا لنيلها منذ عامين ونيف؟
إن الرئيس ترامب يقول إنه أوقف ثماني حروب، ولكنه في الحقيقة، وفي المقابل، أشعل حربًا مع إسرائيل ضد إيران أثّرت على الإقليم والشرق الأوسط كاملًا، بل ووصلت تداعياتها إلى العالم بكامله، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وبالذات في الجانب الاقتصادي منها. فكيف لمن يفعل هذا أن ينال جائزة دولية للسلام؟
وللتوضيح، نرى في الحيثيات: حيث يتضح أن الهدف الأساسي المزعوم لأمريكا هو حماية مواطنيها ومواطني حلفائها، وعلى وجه الخصوص إسرائيل، من أي ملاحقة قضائية دولية.
ويتضح أن المحفز الرئيسي هو تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في الصراع في غزة المكلومة، وإصدارها مذكرات اعتقال بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت في نوفمبر من عام 2024، على الرغم من أنها أصدرت ذات المذكرات بحق فلسطينيين أيضًا بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، حيث تعتبر الولايات المتحدة هذه الخطوة غير شرعية ولا أساس لها من وجهة نظرها المنفردة طبعًا، وتعتبرها حربًا قانونية ضد حليفتها المقربة ودلوعتها إسرائيل.
وفي فبراير من عام 2025، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمر التنفيذي رقم 14203، معلنًا أن أي محاولة من المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق أو الاعتقال أو الملاحقة القضائية ضد الأشخاص المحميين، بما في ذلك أفراد الجيش الأمريكي والمسؤولين الحكوميين ومواطني الدول الحليفة مثل إسرائيل، تشكّل تهديدًا غير عادي واستثنائيًا للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
لم تنضم أمريكا إلى نظام روما الأساسي، وتعارض أي ولاية قضائية للمحكمة الجنائية الدولية على مواطنيها، وقد أشار وزير الخارجية الحالي روبيو إلى أن أمريكا لم تنضم أبدًا إلى هذه المحكمة، وزاد: لا نحتاجها ولا نريدها.
بدأت أمريكا بعقوبات على الأفراد، مثل المدعي العام كريم خان والقضاة، ثم وسّعت نطاقها لاحقًا في أكتوبر من عام 2026 ليشمل المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة، وتشمل الإجراءات:
تجميد الأصول، أي حظر أي معاملات مع المحكمة وموظفيها على الأراضي الأمريكية.
حظر السفر ودخول المسؤولين المعنيين وعائلاتهم المباشرة إلى أمريكا.
قطع الخدمات، وقد أدى ذلك فعليًا إلى فقدان بعض المسؤولين إمكانية الوصول إلى الخدمات المصرفية والتقنيات الرقمية، مثل خدمات أمازون.
لقد أدانت المحكمة الجنائية الدولية هذه العقوبات، ووصفتها بالهجوم على القانون الدولي، كما أعرب خبراء أمميون ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي عن معارضتهم الشديدة، معتبرين أن هذه الخطوة تقوض استقلال القضاء الدولي وتشجع على الإفلات من العقاب.
بمعنى مختصر، إن هذه العقوبات تعني استخدام القوة الأحادية لإجبار محكمة متعددة الأطراف على التخلي عن الملاحقة القضائية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
لقد انسحب ترامب من منظمة حقوق الإنسان ومن منظمة الصحة العالمية.
فماذا يريد؟! هل يريد أن يفرض سيطرته وهيمنته على العالم، وأن يكون شرطي العالم الأوحد المنفرد، وأن يكون هو الخصم والحكم في آن واحد؟
لقد وصل به الأمر أن يتظاهر بالعظمة والجبروت، بحيث يجلس هو على كرسي ومن خلفه وزراؤه ومسؤولوه، وكأنه الملك وليس الرئيس.
الأمر الذي جعل الشعب الأمريكي يخرج بالملايين إلى الشوارع، رافعًا شعار (لا للملكية)، ولو بيده لبقي ملكًا حتى لا يغادر المنصب، لأن ولايته تنتهي للأبد بنهاية فترته هذه، وهي الثانية التي لا تجيز له الترشح مجددًا.
ربنا يهدي الجميع ويعم السلام والوئام العالم كاملًا.
والله يحفظ الكل، ويحل السلام والوئام والعدالة الدولية.
والأمل بالله رب العالمين.
