مركز عُمان المالي العالمي.. وتغيير قواعد المنافسة

 

 

 

 

فايز بن عبدالله البلوشي

يشهد العالم تحولات متسارعة في صناعة الخدمات المالية، لم تعد تقتصر على تطور الأدوات الاستثمارية وأساليب التمويل، بل امتدت الى طبيعة الأسواق المالية ونماذج عملها، والفرص التي تتيحها التقنيات الحديثة. وفي ظل هذه التحولات، تتغير معايير المنافسة بين المراكز المالية العالمية، وتبرز فرص جديدة قد تُعيد رسم خارطة هذه الصناعة خلال السنوات المُقبلة.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز منافسة إقليمية متنامية بين المراكز المالية في المنطقة، التي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء منظومات مالية متقدمة، واستقطاب العديد من المؤسسات والاستثمارات الدولية.

ومع أهمية هذا التوجه، فإنَّ السؤال الذي أعتقد أنه يستحق أن يطرح منذ البداية هو: هل نطمح إلى إنشاء مركز مالي ينافس المراكز القائمة بما تقدمه اليوم، أم نستثمر هذه الفرصة لبناء نموذج مختلف يستبق التحولات القادمة في صناعة الخدمات المالية؟

ولعلَّ ما تؤكده تجارب تطوير أسواق رأس المال أن النجاح لا يرتبط بالضرورة بحجم المبادرات المطروحة، أو محاكاة التجارب الناجحة، بل القدرة على فهم طبيعة السوق وتحدياته، وتحويل الأفكار والدراسات الى حلول عملية تخلق فرصا جديدة للنمو، فما ينجح في سوق قد لا يحقق النتائج ذاتها في سوق أخرى، ما لم يبن على احتياجاتها ومقوماتها الاقتصادية.

والمراكز المالية الإقليمية القائمة تمتلك خبرات متراكمة وشبكات واسعة من المؤسسات والعلاقات الدولية، والدخول في منافسة مباشرة معها باستخدام الأدوات والحوافز ذاتها قد لا يمنحنا التميز الذي نطمح إليه. وربما تكون الفرصة الأكبر أمام عُمان في تقديم نموذج يستفيد من مقوماتها الاقتصادية والجغرافية، ويستوعب في الوقت نفسه التحولات المتسارعة في الصناعة المالية.

ومن الأفكار التي أرى أنها تستحق الدراسة، تطوير مفهوم المركز المالي متعدد العقد (Multi-Node Financial Centre)، بحيث لا تقتصر أنشطة المركز على مقره الرئيسي في مسقط، وإنما تمتد من خلال عقد مالية متخصصة ترتبط بالمناطق الاقتصادية الرئيسية في صحار وصلالة والدقم. فما تتمتع به هذه المناطق من أنشطة صناعية ولوجستية وتجارية ومشاريع استثمارية كبرى يوفر فرصًا لتطوير خدمات ومنتجات مالية تتناسب مع طبيعة النشاط الاقتصادي في كل منها.

ويمكن لصحار أن تكون محورًا للخدمات المالية المرتبطة بالصناعة وتمويل التجارة وسلاسل الإمداد، بينما تستفيد صلالة من موقعها وروابطها التجارية في تطوير حلول التمويل البحري والتجارة الدولية. أما الدقم، بما تحتضنه من مشاريع في الطاقة والصناعة والبنية الأساسية، فيمكن أن تشكل بيئة مناسبة لتطوير أدوات تمويل واستثمار متخصصة تخدم هذه القطاعات.

ولا تقوم هذه الرؤية على إنشاء مراكز مالية مستقلة، بل على منظومة واحدة تتكامل فيها الأدوار وتتوزع فيها التخصصات وفق الفرص الاقتصادية. ومن المثير للاهتمام أن قانون مركز عُمان المالي العالمي أتاح إمكانية إنشاء مقار أخرى للمركز بموجب مراسيم سلطانية، وهو ما يفتح المجال لدراسة هذا التوجه مستقبلًا؛ فلماذا لا تكون الخدمات المالية أقرب إلى مواقع النشاط الاقتصادي، بدلًا من حصرها في نطاق جغرافي واحد؟

في المُقابل، تشهد الأسواق المالية العالمية تحولات متسارعة، قد يكون من أبرزها التوسع في الأصول الرقمية (Digital Assets) وتقنيات ترميز الأصول (Tokenization)، التي تفتح آفاقًا جديدة أمام طرق التمويل والاستثمار وتداول الأدوات المالية.

ولم تعد تطبيقات هذه التقنيات تقتصر على العملات الرقمية، بل امتدت إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي، مثل الصكوك والسندات والصناديق الاستثمارية والأصول العقارية وغيرها. وهنا تبرز فرصة لمركز عُمان المالي العالمي في تبني بيئة جاذبة لتطوير هذه المنتجات، وربطها بالاحتياجات التمويلية والاستثمارية داخل السلطنة وخارجها.

فتصور مثلًا إتاحة فرص استثمارية دولية في مشاريع الطاقة أو البنية الأساسية من خلال أدوات مالية مُرمَّزة، أو تطوير حلول جديدة لتمويل الشركات والمشاريع الصناعية باستخدام هذه التقنيات. قد تبدو بعض هذه التطبيقات بعيدة عن الممارسات التقليدية لأسواقنا اليوم، لكنها تعكس اتجاهًا متناميًا في تطوير الخدمات المالية، وتستحق أن تكون حاضرة ضمن التفكير الاستراتيجي للمركز منذ مراحله الأولى.

ومع ذلك، فإنَّ مجرد تبني التقنيات الحديثة لا يمثل ميزة تنافسية بحد ذاته، خصوصًا أن مراكز مالية أخرى بدأت بالفعل في هذا المجال. التميز الحقيقي سيكون في القدرة على تحويل هذه التقنيات إلى حلول استثمارية وتمويلية عملية، ضمن بيئة موثوقة توفر الحماية للمستثمرين وتعزز كفاءة السوق.

ومن هذا المنطلق، تبرز فكرة تطوير سوق مالية هجينة (Hybrid Securities Exchange)، تجمع بين الأوراق المالية التقليدية والأدوات الاستثمارية المُرمَّزة، وتتيح الاستفادة من إمكانات العالمين ضمن منظومة مترابطة. فمع تطور طرق إصدار الأصول المالية وتداولها، قد يصبح الفصل الكامل بين الأسواق التقليدية والرقمية أقل ملاءمة لاحتياجات المستثمرين والمؤسسات المالية.

ولعل من المناسب دراسة إمكانية تطوير هذا النموذج بالتعاون مع بورصة مسقط وشركة مسقط للمقاصة والإيداع، والاستفادة من البنية المؤسسية القائمة، بدلًا من إنشاء أسواق منفصلة قد تؤدي إلى تجزئة السيولة وتكرار الخدمات.

ومن واقع التجربة في أسواق رأس المال، نعلم أن أحد التحديات الرئيسية لا يتمثل في توفير منصات التداول فحسب، بل في إيجاد المنتجات الجاذبة وتعزيز السيولة وتوسيع قاعدة المستثمرين. لذلك فإن القيمة التي يمكن أن تقدمها السوق الهجينة لا تكمن في التقنية المستخدمة فحسب، وإنما في قدرتها على استحداث فرص استثمارية، وتسهيل الوصول إلى المستثمرين، وتطوير أدوات مالية ربما لم تكن متاحة بالوسائل التقليدية.

وقد تكون هذه المنظومة مستقبلًا إحدى حلقات الربط بين المركز المالي والعقد الاقتصادية المتخصصة، بحيث تتكامل فرص الاستثمار والتمويل في مختلف مناطق السلطنة مع سوق مالية قادرة على الوصول إلى المستثمرين محليًا ودوليًا.

إنَّ إنشاء مركز مالي عالمي لا يمثل غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية أوسع، تتعلق بتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وتطوير الأسواق، وتعزيز دور القطاع المالي في دعم النمو الاقتصادي.

ولعل إحدى الفرص التي تتمتع بها عُمان اليوم هي إمكانية الاستفادة من تجارب المراكز المالية التي سبقتها، مع تبني رؤية تتطلع إلى احتياجات الأسواق خلال العقدين المقبلين؛ فبدلًا من التركيز على منافسة هذه المراكز في الخدمات التي نجحت في تطويرها على مدى سنوات، يمكن دراسة مجالات جديدة تجمع بين التمويل المتخصص، والانتشار الجغرافي المرتبط بالأنشطة الاقتصادية، والابتكار في المنتجات المالية، والاستفادة من التحولات الرقمية.

وبطبيعة الحال، فإنَّ هذه الأفكار ليست بديلًا عن بناء الأسس التشريعية والتنظيمية والمؤسسية التي يقوم عليها أي مركز مالي ناجح، كما أن تطبيقها يتطلب دراسات للجدوى الاقتصادية ومتطلبات السوق، وترتيبًا واضحًا للأولويات. لكنني أعتقد أن مرحلة التأسيس هي الوقت الأنسب للتفكير خارج الأطر التقليدية، ليس فقط في الخدمات التي يمكن أن يقدمها المركز عند انطلاقه، بل في الدور الذي يمكن أن يؤديه بعد عشر أو عشرين سنة. وليس بالضرورة أن نتفوق على المراكز المالية الأخرى بأن نقدم ما تقدمه بكفاءة أكبر، وإنما قد نتميز عنها بتقديم حلول مختلفة لاحتياجات لم تجد بعد ما يكفي من الاهتمام.

وربما يكون التحدي الحقيقي أمام مركز عُمان المالي العالمي ليس في اللحاق بما وصلت إليه المراكز الإقليمية اليوم، بل في استشراف ما ستكون عليه صناعة الخدمات المالية غدًا، والاستعداد للمُشاركة في تشكيل مستقبلها.

فهل سننشئ مركزًا ماليًا جديدًا ينافس وفق قواعد قائمة، أم نستثمر هذه الفرصة لتطوير نموذج عُماني مختلف يضيف قيمة جديدة إلى المشهد المالي الإقليمي والدولي؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z