د. إبراهيم بن سالم السيابي
أتذكرُ في إحدى الدورات التي كنا نتلقى فيها دروسًا في اللغة الإنجليزية، أن المُعلِّمة أخبرتنا ذات يوم بأنها قررت العودة إلى بلادها. لم يكن ينتظرها هناك عمل جديد، ولم تكن تعرف ماذا ستفعل بعد عودتها، لكن أمها التي تقدّم بها العمر أصبحت بحاجة إليها. لم تستطع أن تبقى بعيدة عنها؛ فقررت العودة، تاركة وراءها عملًا وحياةً لم تكن تعرف كيف ستكون أيامها من دونهما.
وفي موقف آخر، أتذكر امرأة كانت تعمل معنا، جاءت باكية لتستكمل إجراءات مغادرتها وتتسلّم مستحقاتها قبل العودة إلى بلادها. كانت قد اغتربت لتوفّر نفقات رعاية طفلها من ذوي الإعاقة، الذي تركته في بلادها في دار رعاية متخصصة تكلّفها الكثير، وكان عقد عملها يتيح تحمّل جزء من مصاريف رعايته. لكن طفلها لم يحتمل غيابها، فقررت العودة إليه، تاركة عملها ودخلها، دون أن تعرف كيف ستدبّر أمورها بعد ذلك.
إنها المرأة؛ فحين يتحدث قلبها، تتراجع أمامه كل الأشياء.
في الحكايتين، لم يكن الأمر مجرد قرار بالعودة إلى الوطن، ولا مجرد ترك للعمل والدخل؛ فقد كان وراء كل قرار قلبٌ لم يحتمل البعد عمّن يحب. امرأةٌ لم تستطع أن تمضي في حياتها وأمها تحتاج إليها، وأخرى لم يحتمل قلبها أن يبقى طفلها بعيدًا عنها، وهو أحوج ما يكون إلى وجودها. وربما لا ندرك حجم ما عانته كل واحدة منهما، ولا ما دار في نفسها قبل أن تحسم أمرها، لكننا نستطيع أن نتعاطف مع قلبٍ وجد نفسه أمام اختيار صعب بين ما يحتاج إليه في حياته، ومن لا يستطيع أن يطمئن إلا بقربه.
ولعل ما تكشفه لنا هذه المواقف يعيدنا إلى المرأة الأقرب إلى قلوبنا، وإلى ما تمثله في حياتنا. وحين أتأمل المرأة، تحضر أمي التي بقي حبها في داخلي رغم الرحيل، وأختي التي تجمعني بها صلة لا تضعف، وزوجتي التي تشاركني الحياة، وابنتي التي أرى في ابتسامتها فرحًا لا يشبهه شيء. لكل واحدة منهن مكانها في قلبي، ولكل واحدة أثرها الخاص، لكن ما يجمعهن أن للمرأة في حياتنا مساحة لا يشغلها أحد سواها.
وللمرأة مكانة عظيمة في الإسلام؛ فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وحين سُئل عن أحق الناس بحسن الصحبة، قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم قال: أبوك. ثلاث مرات للأم، في تذكير بمكانتها وما تستحقه من برّ ورحمة وتقدير. وهي رسالة لا تقف عند الكلمات، بل تمتد إلى طريقة تعاملنا مع المرأة، أمًّا وأختًا وزوجةً وابنة، وإلى ما ينبغي أن تجده منا من احترام ورفق وحسن معاملة.
وفي حاراتنا العُمانية، كانت المرأة وما زالت قريبة من تفاصيل الحياة؛ تجمع أسرتها، وتحرص على صلة أقاربها، وتشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وتمتد محبتها إلى جاراتها، فتفرح لفرحهن، وتحزن لحزنهن، وتسأل عنهن إذا غبن. كانت بحضورها ومشاعرها تسهم في جعل البيوت، على اختلاف أبوابها، أقرب إلى بيت واحد، تجمع أهلها المودة، وتربط بينهم عادات توارثوها جيلًا بعد جيل. وما زالت المرأة العُمانية تحمل هذه الروح في تفاصيل حياتها، محافظةً على صلة الأهل والجيران، وعلى قيم المودة والتراحم التي نشأت عليها.
ولم تكن المرأة العُمانية بعيدة عن مسيرة النهضة؛ فقد حضرت في ميادين التعليم والعمل والخدمة العامة، وأسهمت في بناء الوطن إلى جانب الرجل، مع اعتزازها بقيمها وهويتها. وما حققته من حضور ومشاركة يستحق التقدير، اعترافًا بجهدها وكفاءتها ودورها في مسيرة عُمان. فبناء الوطن مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها الجهود، ويُقدَّر فيها عطاء كل فرد بما يقدمه لوطنه ومجتمعه.
وفي السابع عشر من أكتوبر، نحتفي بيوم المرأة العُمانية، تقديرًا لمسيرتها واعتزازًا بما حققته من حضور وإسهام في بناء الوطن. وهي مناسبة نستذكر فيها مكانتها، ونجدد فيها التعبير عن تقديرنا لها، على أن يظل هذا التقدير حاضرًا في تفاصيل حياتنا؛ في احترام مشاعرها، والإنصات إليها، وتقدير اختياراتها، والوقوف إلى جانبها حين تحتاج إلينا.
ولعلنا لا ندرك مكانتها في قلوبنا كما ينبغي، إلا حين نتأمل تفاصيل حياتنا، فنكتشف أن حضورها يمنح أيامنا معنى، وأن محبتها تسكن فينا بعمق لا ندرك مداه.
إنها المرأة… التي قد نعجز عن وصف ما يسكن قلبها، لكننا ندرك أثره في حياتنا. وحين نحتفي بالمرأة العُمانية في يومها، فإننا لا نحتفي بمناسبة عابرة، بل نحتفي بقلبٍ له في حياتنا مكان لا يعوّضه أحد… قلبٍ كلما ظننا أننا أحسنا التعبير عن محبتنا له، اكتشفنا أن في داخلنا كلامًا كثيرًا لم تقله الكلمات بعد.
