"الفروقات اللفظية ومقارنة مخارج الحروف بين عُمان الداخل وظفار الحميرية"
حمد الناصري
إنّ تمايز النبرات الكلامية في البيئة العُمانية يعمل على اتساعِ مخارج الحروف الشفاهية ويعكس حركية ذاتية ذكية لصون فصاحة المادة اللغوية؛ فاللسان البشري بطبيعته ينفر من كزازة النطق المُصطنع، ويميل تلقائياً نحو صياغة نغمات طائعة تُلائم مُقتضيات التواصل المعاش. وتتبّدى الفروقات النطقية الصريحة في التداول اليومي عبر مُقاربات كلامية ملموسة؛ فأهل الداخلية والظاهرة في ولايات نزوى، وبهلا، والجبل، وضنك، وعبري، حيث تنصهر أدوات السؤال في لفظة واحدة طيّعَة وسهلة، إلى جانب دقة حِسّهم اللساني في صَون دلالات الزمن من أصلها العربي الفصيح.. بينما تختلف تضاريس اللفظ مع اللسان الظفاري جنوباً في جبال قرا وبادية ثمريت الذي ينفتح على أصول اللغات العربية الجنوبية الحديثة العريقة، ويظهر الاختلاف في مخرج نُطق حرف "العين" الذي يحوّلونه إلى همزة مخففة في أواخر أفعالهم طلباً للتيسير؛ كقولهم في الفعل "سَمِعَ" / "سِمِأ" أو "قَطَعَ" / "قِطِأ" بكسر الحرف الأول وتحويل الآخر إلى همزة ساكنة تخرج طيّعَة مع النَّفَس الجبلي. ويتطابق هذا التحول الصوتي العبقري للتخفيف مع الأطروحات اللسانية الحديثة الصادرة عن جامعة ليدز للباحثين العُمانيين، إذ تؤصل لكون ألسنة جبال ظفار مستودعاً فونيمياً مستقلاً حافظ على المكنون الصوتي الأول برصانة؛ وهو ما برهنته بالبراهين الميدانية أوراق عمل "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" التي رعاها مجلس البحث العلمي في كشفها عن آليات التيسير والتخفيف الصوتي الجبلي كآلية فطرية واعية تصون وقار اللفظ وحيويته المشتركة العابرة لتقلبات العصور.
وتتجلّى هذه الفروقات النطقية الصريحة والمقارنات الفونيمية بين عُمان الداخل وظفار في شواهد ميدانية نادرة تلخص هندسة المخارج؛ فبينما يحافظ لسان الداخل في نزوى وبهلاء وعبري على الترتيب الصرفي الفصيح للكلمات بوقار متزن مع نطق الجيم كـ "جيم صلبة مجهورة" وهي "المجهورة" في مصطلحات علم الأصوات العربي التراثي الذي أسسه علماء اللغة الأوائل كالخليل وسيبويه؛ حيث يُقسمون الحروف من حيث شدة انحباس النفس والضغط العضلي إلى حروف مجهورة ينحبس الصوت معها تماماً في المخرج، وحروف رخوة يجري معها الصوت، في مثل (جَلَسَ)، ينفرد اللسان الجبلي في ظفار بمخرج متميز يُعرف بـ "الجيم الشَّجْرِيَّة" التي تخرج من وسط اللسان بنبرة رخوة ملائمة للبيئة التضاريسية، علاوة على تميزه بظاهرة "القلب اللغوي للبنية" كتقديم وتأخير الحروف في الكلمة الفصيحة طلباً للتيسير مثل نطقهم للفعل قَتَلَ بلفظة (لَتَقَ). ويتطابق هذا التباين الفونيمي النادر مع "أطروحة اللسانيات الأنثروبولوجية الميدانية" للباحث والمؤرخ الميداني العُماني الراحل علي بن أحمد محاش الشحري، الحائز على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى؛ إذ تجلّت في مصنفه التأسيسي "لغة عاد" الصادر عام ألفين م (2000 م)؛ حيث أمضى عقوداً من البحث المستقل في سبر مغارات جبال الجنوب وتوثيق نقوشها الصخرية، مبرهناً في محافله الثقافية مع الجمعية العُمانية للكُتّاب والأدباء، وفي دراساته المقارنة مع باحثي جامعة ليدز البريطانية، على أنّ النَّفَس الجبلي والبدوي العُماني احتفظ بحروف فصيحة بكر كـ "الضاد الجانبية القديمة" الرخوة والمجهورة، إذ عجزت لهجات الحواضر المعاصرة عن صونها؛ وهو ما تؤكده بالبراهين العلمية أوراق عمل "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" الصادرة عن مجلس البحث العلمي، في كشفها الميداني عن أن هذا التنوع بين الداخل والجنوب يمثل وثيقة أنثروبولوجية نابضة بالثبات تعيد إنتاج الأصالة اللسانية الأولى للجزيرة العربية دون انكفاء أو جمود.
وهنا نلمح فصلاً منهجياً وثيقاً يجمعُ بين لومة الأرقام وأصالة الوجدان؛ فالباحث الدكتور عامر بن أزاد عدلي الكثيري يبرهن أكاديمياً في أطروحته للدكتوراه من جامعة السلطان قابوس وبحوثه الميدانية التاريخية في صلالة على "الخصوصية الصرفية والصوتية المستقلة للمجموعات اللهجية في جبال ظفار وتطورها المرن"، إذ يتلاقى علمياً مع الدراسات اللسانية لجامعة نزوى في توثيق أصول "النبر العيني" وإبدال الحروف الحلقية كالمرور من العين إلى الهمزة الساكنة تيسيراً للنطق، بينما نكشف نحن ــــ هنا ـــــ في أطروحتنا عمق "التشريح الوجداني والأنثروبولوجي" الذي يرى في هذا التلوّن كينونة تاريخية ومخزناً فكرياً عميقاً يحمل في طياته شواهد الزمن والوجود. ويتطابق هذا التشريح الأنثروبولوجي الوجداني لتيسير النطق مع الأطروحة اللسانية التطورية للفيلسوف واللغوي الدنماركي "أوتو يسبرسن" الصادرة في دراسته عام ألف وتسعمائة واثنين وعشرين ميلادي (1922 م) حول "تطور اللغات"؛ حيث يبرهن على أن الألسن البشرية الحية تنزع فطرياً نحو السلاسة وتخفيف مخارج الحروف الثقيلة—كالمرور من الحلقي إلى الحنجري—لتسهيل التدفق الدلالي؛ وهو ما تؤكده بالبراهين العلمية أوراق عمل "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان"، في كشفها عن أن التنوع الصوتي بين ألسنة حواضر الداخل وجبال ظفار ليس تبدداً في البنية، بل هو نظام اتزاني معجز يحفظ جينات الحرف العربي صلبة ونقية عابراً لتقلبات العصور.
خُلاصة القول: يتجلى أمام البصيرة المنهجية أن التباين الفونيمي النادر بين صرامة جيم الداخل المجهورة وعفوية الجيم الشجرية والضاد الجانبية القديمة في جبال ظفار ليس تبدداً في بنيان اللغة، بل هو نظام اتزاني معجز يبرهن على مرونة اللسان العربي في التلوّن بتلوّن تضاريس البيئة العُمانية من قمم الجبال إلى واحات الداخل. ويستند هذا التباين في أرومته التاريخية إلى هندسة المخارج الصوتية البكرة التي أسّس لها العبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه التأسيسي الأول "العين"؛ إذ يُعد نظام الخليل الصوتي هو المرجعية الكبرى التي منحت هذه المحكيات صبغتها العلمية الأصيلة. ويسفر هذا التشريح الوجداني عن حقيقة لسانية كبرى التقت فيها بحوث المؤرخ الراحل علي بن أحمد محاش الشحري في كتابه "لغة عاد" الصادر عام ألفين م (2000 م) مع أصالة الموروث؛ لتثبت أن المحكيات المحلية في الجنوب حمت جينات الحرف العربي صلبة ونقية في مستودعها الفونيمي المستقل، وعملت كمصفاة واعية تعيد إنتاج فصاحة المنبع الأول للجزيرة العربية دون انكفاء أو جمود.
* المقال من سلسلة فكرية: حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية.
