عباس المسكري
حين يصبح الاهتمام بكبار السن عنوانًا لتقدّم المجتمع ورقيّه، تتجلّى أصالة القيم الإنسانية ونبل المبادئ التي يقوم عليها؛ فالأمم العظيمة لا تنسى من أسهموا في بناء أمجادها، ولا تغفل عن عطاء أجيالٍ أفنت أعمارها في خدمة أوطانها وتربية أبنائها.
وكبار السن هم ذاكرة الوطن النابضة بالحكمة والتجربة، وهم امتدادٌ أصيل لمسيرة العطاء التي تتوارثها الأجيال، وتستمد منها المجتمعات قوتها وتماسكها، وإنّ تقدير هذه الفئة والاهتمام بها ليسا مجرد واجب اجتماعي، بل تعبير عن وعي حضاري راسخ، يؤكد أنّ قيمة الإنسان تظل حاضرة في كل مراحل حياته، وأنّ المجتمعات الأكثر رقيًّا هي التي تجعل من الوفاء والعطاء المتبادل نهجًا أصيلًا، ومن التلاحم بين الأجيال ركيزةً لمستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا.
وتتجلّى ترجمة هذه القيم إلى واقع ملموس في قدرة الخدمات الصحية والاجتماعية على الاستجابة لاحتياجات كبار السن، ومساعدتهم على المحافظة على قدراتهم البدنية والحركية والوظيفية لأطول فترة ممكنة، فالتقدّم في العمر قد يصاحبه لدى بعض الأشخاص ضعف في التوازن، أو صعوبات في المشي والحركة، أو حاجة إلى التأهيل بعد الإصابات والعمليات الجراحية وبعض الحالات المرضية، وهنا تبرز أهمية الخدمات التأهيلية المتخصصة، التي تشمل العلاج الطبيعي، والتمارين المناسبة، والتدريب على المشي والتوازن، والتأهيل الوظيفي، وفقًا لاحتياجات كل حالة وتوصيات المختصين، ولا تقتصر هذه الخدمات على استعادة القدرات البدنية أو المحافظة عليها، بل تمتد إلى دعم الصحة النفسية والاجتماعية، وتعزيز الاستقلالية، والحد من العُزلة؛ بما يساعد كبار السن على مواصلة حياتهم بطمأنينة وكرامة، ويعزّز مشاركتهم في محيطهم الأسري والمجتمعي.
وانطلاقًا من هذه الاحتياجات، يبرز مقترح إنشاء مراكز متخصصة لتأهيل كبار السن في مختلف محافظات سلطنة عُمان؛ بوصفه توجّهًا جديرًا بالدراسة والتخطيط؛ إذ يمكن لهذه المراكز، في حال إنشائها وفق أسس مدروسة، أن تتيح خدمات تأهيلية أقرب إلى المستفيدين وأسرهم، وتخفّف عنهم مشقة التنقّل للحصول عليها، وتساعد على انتظام البرامج العلاجية واستمرارية المتابعة، كما يتيح التخطيط لهذا المقترح تحديد الاحتياجات الفعلية في كل محافظة، وتقدير أعداد المستفيدين، وتحديد طبيعة الخدمات والكوادر والتجهيزات اللازمة، بما يضمن ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد وفق معايير واضحة تراعي الإمكانات المتاحة وتستجيب للاحتياجات المحلية.
ولا تقتصر القيمة المتوقعة لهذا المقترح على تحسين الخدمات المقدّمة لكبار السن، بل تمتد إلى دعم تكامل منظومة الرعاية الصحية، بحيث تتكامل الرعاية المقدّمة في المستشفيات مع خدمات الوقاية والتأهيل والمتابعة بعد الخروج منها، فالمراكز المقترحة يمكن أن تؤدي دورًا مساندًا من خلال دعم التعافي بعد الإصابات والعمليات الجراحية وبعض الحالات المرضية، والحد من المضاعفات المرتبطة بقلة الحركة، وتقليل مخاطر السقوط وما قد ينجم عنها من إصابات واحتياجات علاجية، كما يمكن لهذه الخدمات، متى قُدّمت وفق أسس علمية وبالتنسيق مع المؤسسات الصحية، أن تسهم في الحد من بعض الزيارات الطبية المتكررة وحالات التنويم التي يمكن تجنّبها أو تقليلها من خلال التدخل التأهيلي الملائم، وهو ما قد يخفّف جانبًا من الضغط على المستشفيات، ويتيح توجيه مواردها وكوادرها نحو الحالات التي تتطلب رعاية طبية متخصصة، بما يدعم كفاءة الخدمات الصحية ويرتقي بجودتها.
غير أنّ تحقيق هذه الغايات لا يتوقف على إنشاء المراكز وتجهيزها، بل يعتمد بدرجة أساسية على كفاءة الكوادر المهنية التي تتولى تقديم خدماتها؛ فالتأهيل المتخصص لكبار السن يتطلب معرفة علمية دقيقة وخبرة عملية في تقييم القدرات الحركية والوظيفية، وتصميم البرامج الملائمة، ومتابعة الاستجابة لها، وتعديلها وفقًا لتطور كل حالة، ولذلك، ينبغي أن يستند التخطيط لهذه المراكز إلى الاستعانة بكفاءات مؤهلة ومتمكّنة في مجالات العلاج الطبيعي والتأهيل الوظيفي ورعاية كبار السن، مع توفير التدريب المستمر، والالتزام بمعايير الجودة والسلامة، واعتماد آليات واضحة لقياس النتائج والتحقق من فاعلية البرامج المقدّمة، فالعنصر البشري المؤهل هو الركيزة التي تتحدد في ضوئها جودة الخدمة ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى الإنفاق على الكفاءات المتخصصة بوصفه استثمارًا في جودة الرعاية واستدامة أثرها، لا مجرد تكلفة تشغيلية، فقد تبدو الاستعانة بالخبرات المؤهلة أعلى تكلفة في المرحلة الأولى، غير أنّ التخطيط السليم والتدخل المهني المناسب قد يحدّان من الهدر الناتج عن البرامج غير الملائمة، ويعزّزان فرص تحقيق نتائج أفضل للمستفيدين؛ فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس خفض النفقات بمعزل عن جودة الخدمة، وإنما حسن توظيف الموارد المتاحة، واختيار الكفاءات القادرة على تقديم تأهيل آمن وفعّال، وتحقيق أكبر منفعة صحية واجتماعية ممكنة، ومن ثمّ، فإنّ نجاح هذه المراكز يتطلب توازنًا بين كفاءة الكوادر، وملاءمة البرامج، وحسن الإدارة، واستمرار التقييم والتطوير.
وإذا ما جرى التخطيط لإنشاء هذه المراكز وفق رؤية متكاملة، فإنّ آثارها الإيجابية المتوقعة لن تقتصر على كبار السن وحدهم، بل ستمتد إلى أسرهم والمجتمع والمنظومة الصحية، فمساعدة كبير السن على المحافظة على قدراته الحركية وأداء شؤونه اليومية تعزّز استقلاليته، وتخفّف بعض الأعباء الجسدية والنفسية عن أسرته، وتمنحه فرصًا أوسع للمشاركة في الحياة الاجتماعية، ويمكن أن تسهم هذه المراكز كذلك في نشر الوعي بأهمية النشاط البدني الآمن، والوقاية من السقوط، والتعامل الصحيح مع الصعوبات الحركية، من خلال برامج تثقيفية موجّهة إلى كبار السن ومقدّمي الرعاية لهم، ولضمان تحقيق النتائج المرجوّة، تبرز أهمية المتابعة الدورية وقياس أثر الخدمات، من خلال رصد التحسن في الحركة والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، وقياس مستويات رضا المستفيدين وأسرهم، ومتابعة مدى إسهام البرامج في الحد من المضاعفات الصحية التي يمكن الوقاية منها.
إنّ دراسة مقترح إنشاء مراكز متخصصة لتأهيل كبار السن في مختلف محافظات سلطنة عُمان تمثّل خطوة نحو ترسيخ مفهوم أكثر تكاملًا للرعاية، يجمع بين الوقاية والعلاج والتأهيل والدعم المجتمعي، ويضع احتياجات الإنسان في صميم التخطيط للخدمات، فنجاح هذا التوجّه لا يُقاس بمجرد إنشاء المراكز، بل بقدرتها على تقديم خدمات نوعية تستجيب للاحتياجات الفعلية، وتحقق نتائج ملموسة في حياة المستفيدين، ومن هنا، فإنّ التخطيط المدروس، والاستعانة بالكفاءات المتخصصة، وحسن توظيف الموارد، والتقييم المستمر، تمثّل ركائز أساسية لتحويل هذا المقترح إلى مبادرة ذات أثر مستدام، فالعناية بكبار السن امتداد لقيم الوفاء التي يعتز بها المجتمع العُماني، والاستثمار في صحتهم وجودة حياتهم ليس منفعة لفئة بعينها فحسب؛ بل هو استثمار في تماسك الأسرة، وكفاءة المنظومة الصحية، ورُقيّ مجتمع يدرك أنّ الوفاء لمن أسهموا في بنائه مسؤولية تتجدد، وأنّ كرامة الإنسان تظل أساس كل تنمية حقيقية.
