حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية (4)

"التماس الصوتي بين بيئة الوسطى ولغات البادية والجبل"
حمد الناصري

تستمد جغرافيا الصحراء وأطرافها الساحلية نبرتها الكلامية من امتداد الأفق وسكينة الفضاء البكر؛ فالامتداد الوجداني للإنسان في هذه الربوع ينعكس طردياً على طول النفس النطقي وعفوية الأداء اللفظي في بوادي عمان. فالفطرة الشفهية في هذه البوادي تصون هالة من رنين صوتي حر طليق اللسان، يعتمد على المد الحركي المنساب، متجاوزاً جمود التقعيد الملتزم بحرفية أو حركية متصلبة؛ مِمّا يعني رفضاً فطرياً للقواعد الجاهزة والمصطنعة، رغبة في بلوغ تيسير نطقي غاية في القوة؛ ليكون اللسان أداة فاعلة في التواصل عبر المسافات الشاسعة، ومؤصلاً لرباط هوية عريقة. ويتطابق هذا النزوع الفطري طردياً مع ما أصّل له "سيبويه" في باب إسقاط الثقل النطقي؛ حيث تميل الألسن العفوية غريزياً إلى الوقف بالسكوت والتخفيف الحركي لمجابهة اتساع المدى الجغرافي. 

وعند سبر ذلك الغور السلوكي واللساني للمجتمعات الرعوية والبحرية في هذه الجغرافيا المفتوحة، يتضح كيف تعيد البيئة صياغة الألسن وتُخفّف مخارج حروفها بما يلائم عادات الترحال؛ فنظام العيش بين الرمال والموج يفرز نبرة مرنة تلجأ تلقائياً إلى تحويل المفردات الغامضة إلى تركيبات طيعة وسهلة لدى ساكني تلك الربوع. وذلك الثراء اللفظي يمثل العمق الأدبي الحي للسان القويم، ويحمي موروث الأمة من التلاشي أو الانكفاء الجامد.. وفي هذا التماس الصوتي، يظهر في الميزان التطبيقي عند تتبع الروابط النطقية بين المحافظة الوسطى كولايات هيما، والجازر، ومحوت، وامتدادها نحو جزيرة مصيرة، وبين لكنات ولغات البادية والجبل في أقصى الجنوب، ممثلة في قبائل الرواشد، وبيت خوار، والشحرة. وهذا التماس يجد تأصيله الفلسفي واللساني في ظاهرة "إيثار الأخف" عند ابن جني في "سر صناعة الإعراب"، حيث يبرهن أن تسهيل اللفظ وفك استغلاقه ليس انحرافاً نطقياً، بل هو استجابة لسانية عليا تفرضها مرونة الترحال والحركة السلوكية للمجتمع. 

تتميز محافظة الوسطى في سلطنة عمان بطبيعتها الفريدة التي تجمع بين امتداد الصحراء البدوية ونسمات الساحل البحري. هذا التمازج الجغرافي انعكس بشكل ساحر على لغة أهلها اليومية، ورسم للمنطقة هوية لغوية خاصة تتسم بالبساطة والشهامة والأصالة. إذا زرت ولايات الوسطى—سواء كنت في قلب البادية في هيما والجازر، أو على ضفاف الساحل في محوت وامتدادها نحو جزيرة مصيرة—فإن أول ما يلفت انتباهك هو طريقة ترحيبهم واستجابتهم للنداء. فعندما تنادي أحدهم، غالباً ما يأتيك الرد سريعاً بكلمة "سَمَعْ"، وهي مفردة محلية أصيلة تعني "أصغيت إليك" أو "أنعم، أنا أسمعك"، وتُقال بلهجة تنضح بالاهتمام والترحيب بالمتحدث. وتتلاقى هذه اللفظة مع الأطروحة الأنطولوجية للفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" في كتابه التأسيسي "الكينونة والزمان" الصادر عام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين م (1927 م) حول كينونة اللغة؛ إذ لا يمثل اللفظ هنا مجرد إشارة صوتية عابرة، بل هو إعلان شفاهي دقيق عن احتواء وجدان المتحدث للآخر وفتح الفضاء الإنساني لاستقباله، في انسجام تام مع سكينة الفضاء المفتوح. 
ولا يقتصر هذا التيسير الفطري في بوادي الوسطى وأطراف الجازر على صيغ الترحيب فحسب، بل يتجاوزه إلى هندسة فيزيائية متكاملة للحنجرة البدوية والساحلية؛ حيث تنزع الفطرة اللسانية لديهم إلى التماس التخفيف الصوتي وإلغاء التشديد العضلي الثقيل في الحروف طلباً للخفة والتدفق المستمر في الفضاء المفتوح؛ تهرباً من قمع الهواء في الحنجرة. ويتجلى هذا النسق الشفهي بوضوح في ظاهرة تسهيل الهمزة المتطرفة والمجرورة عقب المد المنساب، كقولهم (السِما) بدلاً من (السماء) و(الصحرا) بدلاً من (الصحراء)، استثقالاً لنبرة الهمز وطلباً للخفة في الفضاءات الشاسعة. وهو ذات التوجيه الذي تلتقي في أبعاده دراسات الألسن المقارنة في عُمان، حيث تؤكد الطبيعة الجغرافية المفتوحة صون مذهب التسهيل الفصيح، وتتكامل فيزيائياً مع نظرية اللغوي الفرنسي "أندريه مارتينيه" في كتابه "الاقتصاد في التغييرات الصوتية" الصادر عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين م (1955 م) حول "الاقتصاد في الجهد اللفظي" لتسهيل التواصل المستمر.

ويتأسّس هذا التقعيد السمعي في أرومته وعمقه التاريخي على ما خطّه العبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي—شيخ سيبويه وأستاذه الأول—في كتابه التأسيسي البكر "العين"؛ إذ يُعد الفراهيدي هو المبتكر الأول لمفهوم الهندسة الصوتية عبر التاريخ من خلال ترتيبه المعجمي القائم على مخارج الحروف الشفهية والحلقية، مما يجعل فصاحة الألسن ببوادي عُمان امتداداً طبيعياً وسليقياً لنظام الخليل الصوتي قبل المصنفات التعليمية اللاحقة. 

ويتصل هذا التماس الصوتي اتصالاً أنثروبولوجياً وثيقاً بلغات البادية والجبل في الجنوب عبر ممارسات قبائل الحراسيس، والرواشد، وبيت خوار، والشحرة، في ظاهرةٍ فيزيائيةٍ فريدةٍ تُعرف بظاهرة "القطع الفجائي للصوت" عند الوقف، حيث يميل المتحدث في آخر سياقه الإخباري أو الاستفهامي إلى قمع الحرف الأخير وحصر النفس فجأة كـآلية بدنية ذكية تمنع تشتت اللفظ وتلاشيه في الرياح والأفق الفسيح، مما يجعل لسانهم مرآة جغرافية واعية تعيد إنتاج فصاحة المنبع الأول بروح الاستقرار. وتتطابق هذه الآلية البدنية الدفاعية مع ظاهرة "النبر والقطع" التاريخية في بادية العرب قديماً لتثبيت المعنى في السمع، كما تعكس أطروحة الأنثروبولوجي الفرنسي "كلود ليفي ستروس" في كتابه "الأنثروبولوجيا البنيوية" الصادر عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين م (1958 م) في أن البنى اللغوية للمجتمعات الرعوية تنشأ كاستجابة فيزيائية مباشرة لحماية الهوية الثقافية من التلاشي والانكفاء اللفظي. 

ويتصل هذا الإبدال الفطري في غايته الأنثروبولوجية اتصالاً وثيقاً بظواهر التخفيف الفصيحة في فقه اللغة العربية التليدة، كظاهرة "الإبدال الحركي الفطري" المأثورة عن بعض القبائل العربية القديمة، والتي تهدف جميعها طواعية للتخفيف والاستخفاف العضلي عند نطق الحروف الحلقية والمجهورة الثقيلة؛ وهنا وجب التأكيد أن لفظة "الاستخفاف" نقصد بها دلالتها التراثية العريقة كما وظفها علماء اللغة الأوائل—كابن جني—بمعنى "طلب الخفة في النطق"، بعيداً عن صبغتها المعاصرة المستحدثة التي تميل نحو الاستهانة؛ فهي هنا تعبر بدقة عن "التيسير العضلي" واقتصاد النطق في اللسان الرصين. وهو ما تؤكده برمتها أيضاً الأوراق البحثية الصادرة عن مركز الفراهيدي بجامعة نزوى في توثيقها لقرابة الألسن والظواهر الصوتية لداخل عُمان، إلى جانب مقررات "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" في برهنتها الميدانية على أن تدوير مخرج القاف إلى كاف رصينة يمثل آلية توازن بيئية ذكية تعيد صياغة فصاحة المنبع الأول بروح الاستقرار الجغرافي عابراً لتقلبات العصور.

وكذلك فالعُمانيون عامة يستبدلون بكلمة "ذلك" لفظة "ذاك"؛ حيث تذوب لام البُعد الزائدة طلباً للتخفيف، ليتجرد اسم الإشارة في ألفه الأصلية الطيعة اللينة والسهلة، مستمدين ذلك من جِذر الكلمة الأصيلة، ليتجلى إبدال اسْمي الإشارة "ذلك وهذاك" واستخدامهما في اللهجة المحلية عموماً وبكثرة كاثرة، بديلاً لها: "ما ذاك" أي وما ذلك؟ أو ما هذاك "إيش ذاك" أو "مو ذاك". وهذا التفصيل اللغوي الدقيق مأخوذ من كلمة عربية فصيحة: "وما ذلك"؟ وهنا يبدو كـ فرق بائن لكنه في الحقيقة تمهيد عفوي صائب وسريع، ولو قورنت لفظتها بلهجات عربية أخرى ستجدها حذفت الكلمة وتبدو في غير موقع صائب للحرف "ذ" من اللسان الصحيح، ونجدها في لهجات أخرى "هداك أو هاداك" وهنا قد تغير المعنى اللفظي للكلمة.. ولذا فالعُمانيون حريصون على تكوين الكلمة الصحيحة. 

ويظهر هذا الحرص جلياً في الحفاظ على مخارج الحروف العربية السليمة، مما يعكس تجذر اللغة الفصحى في بنية اللهجة العُمانية التي تستند إلى أصول لغوية متينة لا تقبل التشويه أو التغيير في دلالات الألفاظ، وهو ما يفسر بقاء هذه المفردات محتفظة برونقها ووضوحها رغم توالي الأجيال. ويتسق هذا التدقيق والالتزام الصوتي بحرف الذال اتساقاً تاماً مع ما أصّل له إمام النحاة سيبويه في "الكتاب" المصنّف في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري (القرن الثامن الميلادي) وتحديداً قبيل عام مائة وثمانين هجرية (180 هـ)؛ في "باب مخارج الحروف وفروعها"، حيث نص صراحة في تقعيده الصوتي على قوله: "ومِمّا بين طرفِ اللِّسانِ وأطرافِ الثَّنايا مخرجُ: الظَّاءِ، والذَّالِ، والثَّاءِ"، إذ يُعد الإبقاء على مخرج الذال من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ذروة الفصاحة السمعية التي قاومت التحريف والتبديل الطارئ في الحواضر.

وليس هذا المسعى الفكري الذي نخطه غريباً عن شواغل البحث الأكاديمي الرصين؛ إذ تلتقي أطروحتنا وتتكامل مع مشاريع وطنية عريقة كـ "قاموس الأعلم العُماني" بمركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس الرامي لربط المفردات الدارجة بجذورها الفصيحة؛ كونه مشروعاً وطنياً لغوياً بدأ تنفيذه بالمركز عام ألفين واثنين وعشرين م (2022 م) من إعداد الباحث العُماني الدكتور أزهر بن أحمد البوسعيدي، وتتساوق أطروحتنا كذلك وتتقاطع مع أوراق قسم اللغة العربية بالجامعة، وندوات مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي بجامعة نزوى، وتوثيقات الجمعية العُمانية للكُتّاب والأدباء حول المجموعات اللهجية لحمايتها من الاندثار؛ إلا أنّ التمايز الحق يبرز في كون دراستنا هذه التفاتةً واعيةً تتجاوز التنميط المعجمي والإحصائي الصرف، لتصل باللفظ المحلي العُماني إلى مرتبة الشاهد الأنثروبولوجي والوجداني الرفيع الذي يربط حركة اللسان بكينونة الإنسان الممتدة عبر البيئة والجغرافيا التليدة. 

خُلاصة القول: يتأكد لنا بيقين ساطع أن تلاحم الرنين النطقي بين فضاء الوسطى الفسيح وبادية الجنوب الممتدة ليس مجرد ممارسات تداولية عابرة، بل هو كينونة تاريخية تنحت من رمال البادية وسكينة الأفق شفرتها اللسانية الخاصة، لتتحول لفظة مثل "سَمَعْ" والوقف بالقطع الفجائي إلى حصن فطري يصون الحرف العربي من التشتت في الرياح. ونخلص هنا إلى تفوق ذلك التشريح الأنثروبولوجي الذي ينفخ الروح في جينات اللسان المحكي ويبرهن على صموده، متسقاً مع ما أصّله ابن خلدون في فصول تقدمته عن صفاء لسان البدو ونقائه الفطري؛ ليبقى لسان القفار والساحل نابضاً بروح الأصل وعروق البيان التليد، بعيداً عن كزازة الأطر المصطنعة وجفاف قوالبها الصورية التي تحذر منها كوامن الحكمة عبر التاريخ.

* سلسلة فكرية من ضمن أطروحة: حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z