أنور الخنجري
لم تكن شطيفي قرية عادية على ساحل مطرح؛ فقد كانت حكاية إنسان عاش البحر جزءًا من يومه، واتخذ منه طريقًا إلى رزقه ومدرسته، ونسيجًا يربط حياته بجيرانه ومكانه. كانت قرية صيادين صغيرة وادعة، تقع عند الطرف الشمالي من مدينة مطرح العتيقة؛ حيث تتشكَّل الحياة بإيقاع البحر، وتكتسب التفاصيل البسيطة قيمتها من قرب الإنسان من مُحيطه.
لا تزال ذاكرتي تحتفظ بصورة زميلٍ لي في المدرسة السعيدية بمطرح، كان يأتي من شطيفي كل صباح بقارب صيد صغير، يُجدِّف به حتى الشاطئ، ثم يربطه بحصاة ويصعد إلى الصف، فيما تعبق رائحة الملح في كتبه. كانت تلك الصورة تختصر معنى أنسنة المكان؛ حين تتناغم البيئة مع احتياجات الإنسان، وتُيسِّر حركته، وتُعزز إحساسه بالانتماء، وتترك في ذاكرته أثرًا لا تمحوه السنوات.
ويُروى أن شطيفي احتضنت قديمًا مصنعًا للسلاح ومخزنًا للبارود يعودان إلى عهد السيد سعيد بن سلطان. أما اسمها، فيُقال إنه مشتق من "الشطفة"، وهي قطعة صغيرة من الأرض يحضنها البحر. ومع إنشاء ميناء السلطان قابوس عام 1974، تغيرت ملامح المنطقة؛ إذ رُدمت مساحات بحرية، ومع مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، اختفت القرية من خريطة المكان، ونُقل أهلها إلى قرية "عينت" المجاورة، فيما انتقل بعضهم إلى ولاية بوشر. غابت شطيفي عن المشهد العمراني، لكن حكايتها بقيت في ذاكرة من عاشوا فيها، وفي ذاكرة مطرح التي لا تزال تحمل آثار التحولات التي غيّرت علاقتها ببحرها.
واليوم، يعود اسم شطيفي إلى الواجهة من خلال مشروع "اليزن"، الذي يُطرح بوصفه مجمعًا سياحيًا متكاملًا يضم وحدات سكنية وتجارية ومنتجعًا وربما مرسى لليخوت، في الخليج نفسه الذي كانت ترسو فيه قوارب الصيادين. وتمثل هذه العودة فرصة مهمة لإعادة اكتشاف القيمة التاريخية والبحرية لهذا الجزء من مطرح، وفتح آفاق جديدة لتطوير الواجهة البحرية بما يعزز مكانة المدينة كوجهة سياحية وثقافية، تصل حاضرها العمراني بذاكرتها المُمتدة عبر الأجيال.
وتتسع أهمية هذه الفرصة حين ننظر إلى مشروع "اليزن" ضمن سياقه الحضري الأوسع، لا بوصفه مشروعًا قائمًا بذاته فحسب، وإنما باعتباره مدخلًا محتملًا لتنشيط المنطقة المحيطة به، من خلال تعزيز حضور حارات مطرح التاريخية في المشهد السياحي والثقافي. والتكامل بين المشروعات الحديثة والأحياء القديمة يمكن أن يخلق تجربة متكاملة للزائر، تجمع بين الإقامة على الواجهة البحرية، والتعرف على العمارة التقليدية، واستكشاف الأسواق الشعبية، والاستماع إلى حكايات البحر وأهله. ومن شأن هذا الترابط أن يضيف قيمة إلى المشروع نفسه، ويمنح مطرح فرصة لتقديم هويتها الأصيلة في إطار مُعاصر.
ومن هنا، تبرز أهمية بناء رؤية مشتركة تربط مشروع اليزن بحارات مطرح التاريخية، وتفتح المجال أمام مبادرات تُكمل دوره السياحي والعمراني. ويمكن أن تشمل هذه الرؤية تطوير المرافق العامة، وتشجيع الأنشطة الثقافية والتراثية، وإتاحة فرص للمؤسسات الصغيرة والحرفيين والأُسر المحلية للمشاركة في التجربة السياحية. وبهذا يصبح التطوير فرصة أوسع لتنشيط الاقتصاد المحلي، وإبراز المقومات التاريخية للمدينة، وتعزيز العلاقة بين المشروعات الجديدة والمجتمع الذي يحتضنها.
إنَّ نجاح مشروعات الواجهة البحرية يظل مرتبطًا بما تحققه من أثر في محيطها؛ فالتجربة السياحية لا تكتمل بالإقامة في منتجع حديث، وإنما تمتد إلى المدينة وأسواقها وحاراتها. فالزائر الذي يقيم في منتجع حديث سيخرج لاكتشاف المدينة والتعرف على هويتها؛ فماذا سيجد إذا ظلت الحارات القديمة خارج خطط التطوير؟ ومن هنا، تبرز أهمية أن يشمل التطوير الأحياء التاريخية المجاورة، حتى تكون جزءًا من التحول العمراني والسياحي الذي تشهده مطرح.
لذلك، تقتضي أنسنة المكان ترميم هذه الأحياء مع الحفاظ على هويتها المعمارية والاجتماعية، واستخدام المواد والأساليب التي تتناسب مع طابعها الأصلي كلما أمكن. ويمكن إعادة توظيف بعض البيوت- بموافقة أصحابها- لتصبح نُزُلًا تُراثية صغيرة تديرها الأسر المحلية، أو ورشًا للصناعات التقليدية، أو مقاهيَ ومتاحف مصغرة تروي تاريخ الحارات وأهلها. ومن شأن هذه المبادرات أن تفتح فرصًا اقتصادية جديدة أمام السكان، وتمنح التراث وظيفة حية في حاضر المدينة.
ويكتمل هذا التوجُّه بربط الأحياء القديمة بالواجهة البحرية عبر مسارات مُشاة آمنة وجذَّابة، تسمح للزائر بالانتقال من شطيفي إلى حارات مطرح سيرًا على الأقدام، فيكتشف قصة متصلة تبدأ من البحر وتمتد إلى الأسواق والبيوت والأزِقَّة. وهكذا تتكامل عناصر التجربة السياحية، وتلتقي العمارة الحديثة بالتراث العمراني في نسيج واحد، بدلًا من أن تتجاور كمشروعات متباعدة لا تربط بينها حياة المدينة.
إنَّ السياحة التي تستند إلى هوية المكان، تجد قيمتها في الأسواق الشعبية، والحرف المتوارثة، والقصص التي يحملها السكان، والتفاصيل اليومية التي تمنح كل مدينة شخصيتها الخاصة. وحين تصبح هذه العناصر جزءًا من خطط التطوير، تتسع دائرة الاستفادة الاقتصادية، ويغدو الحفاظ على التراث استثمارًا في مُستقبل المدينة.
تستحق شطيفي أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال، وتستحق مطرح تنميةً تعزز مكانتها وتصون طابعها الأصيل. وإذا نجح مشروع اليزن في تحقيق هذه المعادلة، فستتجاوز قيمته المباني الحديثة والمرافق السياحية إلى الإسهام في بناء مدينة تتقدم بثقة، تحترم تاريخها، وتمنح أهلها مكانًا في مستقبلها.
وهنا تتجلى أنسنة المكان في جوهرها؛ حين يظل الإنسان حاضرًا في قرارات التنمية، تُصان ذاكرته، وتُراعى احتياجاته، وتُتاح له المُشاركة في رسم مستقبل مدينته. ويتطلب ذلك تخطيطًا يوازن بين الاستثمار وصون التراث، ويجعل جودة الحياة ومصلحة المجتمع جزءًا أصيلًا من معايير التطوير.
ولعلَّ أجمل ما يعبّر عن هذه الرؤية أن يعود القارب الصغير الذي كان يقلّ زميلي إلى المدرسة إلى خليج مطرح، حاملًا هذه المرة زوارًا يتعرفون على حكاية المكان، ويستمعون إلى ذاكرة البحر وأهله. عندها تستطيع مطرح أن تفتح أبوابها للمستقبل من دون أن تتخلى عن روحها، وأن تقول لزائرها: هنا كانت شطيفي، وهنا لا يزال البحر يتذكر أهلها.
