د. عبدالله الأشعل **
مرَّ المشروع الصهيوني بأربع مراحل؛ المرحلة الأولى: هي مرحلة المهاجرين الصهاينة في بداية القرن التاسع عشر حتى قبل أن يبلور هرتزل المشروع الصهيوني في صورته النهائية.
أما المرحلة الثانية: جاءت بعد الوصول إلى فلسطين وتقرير الانتداب في مؤتمر فرساي، وكان كل شيء موجّهًا لتنفيذ هذا المشروع، فقامت بهذا الدور بريطانيا في فلسطين، ودرّبت المهاجرين على الإدارة تحت حماية الجيوش البريطانية.
وليس صحيحًا ما زعمته بريطانيا والصهاينة من أن قتالًا قد دار بين الميليشيات الصهيونية والجيش البريطاني، فهذا تزوير للتاريخ وتصوير خاطئ بأن بريطانيا كانت ضد المشروع. وانتهت هذه المرحلة بمؤتمر لندن 1840 الذي جمع الحكام العرب مع الصهاينة، ووقّعوا جميعًا اتفاقًا يعترف بالهجرة إلى فلسطين، لكن يقنّنها. واعتبر العرب تلك الخطوة انتصارًا لهم، بينما سخّرتهم بريطانيا العظمى لخدمة المشروع الصهيوني.
هكذا اعترف رئيس وزراء بريطانيا أمام بنيامين نتنياهو سنة 2017 بمناسبة مرور مائة عام على تصريح بلفور، وكان تصريح بلفور التزامًا بريطانيًا لهذه المرحلة لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، أي للصهاينة.
وكانت مصر محتلة من بريطانيا، وبذلك سهل على بريطانيا تطويع مصر لهذه المخططات. كما أن الانتداب تقرر فقط في فلسطين والعراق. وفي فلسطين عملت بريطانيا تحت ستار الانتداب على أعمال لا تدخل في سلطة الدولة المنتدبة. وكنا ونحن طلبة، بفعل الدعاية البريطانية، نعتبر الانتداب تقدمًا في مراتب الاستعمار، ولم تظهر حقيقة الانتداب إلا بعد ذلك.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة تجميع الوثائق البريطانية والدولية لخدمة المشروع الصهيوني وإنزاله من مرتبة الحلم إلى مرتبة الواقع. واجتهدت بريطانيا في هذه المرحلة بأن يقبل المجتمع الدولي حينها بقيام إسرائيل، وذلك بخطوتين؛ الخطوة الأولى: تمرير قرار التقسيم عام 1947 بصعوبة بالغة. والخطوة الثانية هي تدليس عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.
وهكذا رتبت بريطانيا لإسرائيل تطبيق المشروع الصهيوني بنجاح تام؛ حيث رتبت بريطانيا أوضاع الحكم في الدول المجاورة لإسرائيل، وخاصة مصر والأردن؛ حيث عُزل الملك في مصر وجيء بالضباط الأحرار الذين بدأوا الحكم العسكري في مصر، وقد سمعتُ الرئيس جمال عبدالناصر في الخمسينيات يقول إن الحكم العسكري مستمر في مصر ما دامت إسرائيل مستمرة في فلسطين، وهو نفس الخطاب الذي قال به الرئيس صدام حسين إن العراق لن ينسحب من الكويت إلا إذا انسحبت إسرائيل من فلسطين.
وكان جمال عبدالناصر قد عارض، لأسباب مختلفة، وجود إسرائيل، حتى تخلصت منه في عام 1967؛ حيث هُزمت مصر والأردن وسوريا في ساعة واحدة. وفي عام 1967، تأكدت إسرائيل، بهزيمة مصر، من نجاح المشروع الصهيوني، فبدأت إسرائيل بالمرحلة الأخيرة من المشروع بعد أن اطمأنت إلى مصر، خاصة بعد أن مات عبدالناصر وتولى الرئيس أنور السادات، وفي أثناء حكم السادات استقرت إسرائيل.
وفي عام 1967، أدخلت إسرائيل نظام الاستيطان للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة في سيناء والضفة الغربية والجولان.
ورغم أن مصر استردت سيناء وعادت إلى السيادة المصرية، فإنني أحذر بأن إسرائيل عينها على سيناء، وإذا كان الرئيس عبدالفتاح السيسي قد أكد أن من ثوابت الموقف المصري أن الهجرة محظورة من غزة إلى سيناء، فإن ذلك إجراء مناسب، لكنه لا يكفي لمحو حلم إسرائيل. وليس توحش إسرائيل إلا مقدمة لإنشاء إسرائيل الكبرى، لكن كل التوقعات تشير إلى أن المشروع الصهيوني إذا اكتمل، فإن إسرائيل تزول.
وقد اكتمل المشروع الصهيوني في هذه المرحلة؛ حيث توحَّش المستوطنون بدعم من إسرائيل الرسمية، كما أن الاستيطان آخر مراحل المشروع الصهيوني، والاستيطان يتمثل في طرد أصحاب الأرض وتعذيبهم. وقبل ذلك احتاطت إسرائيل وأمريكا لهذا اليوم بتطويع الدول العربية المؤثرة، وبذلك وقف العرب يتفرجون على حرية المستوطنين في اقتحام المسجد الأقصى وفي طرد الفلسطينيين من أراضيهم، بل إن المخطط الإسرائيلي يمتد إلى غزة، حيث تنوي إسرائيل بناء مستوطنات جديدة في غزة وفق ما صرّح به نتنياهو، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار يقضي بانسحاب إسرائيل من غزة.
والاستيطان في القانون الدولي، كما الصهيونية، جريمة من جرائم النظام العام الدولي، لكن إسرائيل وأمريكا تفخران بأنهما تنتهكان القانون الدولي، وقد ظهر ذلك اليوم في الموقف الأمريكي الذي عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي، وهو يؤكد العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية لأنها تطاولت على إسرائيل وأصدرت قرارًا بالقبض على نتنياهو ومحاكمته أمام الجنائية الدولية. فأمريكا وإسرائيل تعتبران انتهاك القانون الدولي رخصة لهما، وتريدان إشاعة الفوضى في العلاقات الدولية.
والخلاصة، أن الاستيطان جزء من المشروع الصهيوني وآخر مراحله، بصرف النظر عن موقف القانون الدولي من إسرائيل باعتبارها تجسيدًا لهذا المشروع، وأمريكا الدولة العظمى التي بنت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وفقًا لمنظورها الذي أكده وزير خارجية أمريكا الليلة، وهو يتحدث عن أن المجتمع الأمريكي هو الفيصل وليس المجتمع الدولي. والحكومة الأمريكية تعادي القضاء الدولي عمومًا، فلا نكاد نلحظ نقدًا لهذا السلوك من خلال كلمات الدول في الجمعية العامة.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
