فيصل الشيخ
من الطريف أن تتحوّل انتخابات مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان بمحافظة شمال الباطنة، قبل أن تُعلن الجهات المختصة انطلاقها رسميًا، إلى سباقٍ مبكرٍ لحجز المقاعد وإعلان الطموحات! وكأن بعض المترشحين يخشون أن تُغلق أبواب المجلس قبل أن يصلوا إليها، أو أن الكراسي ستُوزَّع بحسب سرعة الإعلان لا بحسب الكفاءة والقدرة على الإنجاز!
فما إن بدأت ملامح الاستحقاق الانتخابي تلوح في الأفق، حتى استبق بعض الطامحين الإجراءات الرسمية، وأعلنوا رغبتهم في خوض المنافسة قبل صدور الإعلان المعتمد واستكمال التسجيل والحصول على الموافقات اللازمة. الأمر الذي دفع لجنة الانتخابات إلى إصدار تنويه يدعو إلى عدم الإعلان عن الترشح أو الدخول في المنافسة الانتخابية إلا بعد التسجيل والموافقة على المترشحين وفق الإجراءات المعتمدة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل بشيء من السخرية: هل أصبحت الانتخابات سباقًا في سرعة نشر الصور والعبارات الرنانة، أم أنها منافسة في تقديم الرؤى الاقتصادية والاستراتيجيات القادرة على خدمة مجتمع الأعمال؟ وهل يكفي أن يعلن المرء عن نفسه مرشحًا حتى يصبح مؤهلًا لعضوية المجلس، أم أن الطريق إلى المسؤولية يبدأ بالكفاءة وينتهي بالإنجاز؟
إن الاستعجال في طلب الظهور قبل اكتمال الإجراءات الرسمية قد يعطي انطباعًا غير مريح عن صاحبه، خصوصًا حين يبدو أن الاهتمام بإعلان الترشح يتقدم على الاهتمام بتقديم برنامج انتخابي واضح. فالمترشح الواثق من قدراته لا يحتاج إلى استعجال المشهد أو استباق الجهات المنظمة؛ بل يدرك أن لكل مرحلة إجراءاتها، وأن احترام النظام أول اختبار للجدارة بتحمل المسؤولية.
ولا يعني ذلك أن كل من أعلن مبكرًا يفتقر بالضرورة إلى الكفاءة أو الثقة بالنفس، ولكن السلوك الانتخابي يظل رسالةً يقرأها الناخب، وقد تكشف بعض التصرفات عن ضعف في تقدير الموقف، أو عن رغبة في كسب الحضور الإعلامي قبل إثبات الجدارة الفعلية.
إن عضوية مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان ليست وجاهة اجتماعية، ولا لقبًا يُضاف إلى بطاقة التعريف، ولا منصةً لتلميع الأسماء. إنها مسؤولية تتطلب رؤية اقتصادية بعيدة المدى، وقدرة على استشراف مستقبل القطاع الخاص، وفهمًا لتحديات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والعمل على جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق، وتذليل العقبات أمام أصحاب الأعمال، وتعزيز فرص الشباب في عالم التجارة والاستثمار.
أما أن تكون الرؤية محدودة، والاستراتيجية غائبة، والبرنامج الانتخابي لا يتجاوز الوعود العامة والشعارات المستهلكة، فهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ لأن المحافظة لا تحتاج إلى مزيد من الأسماء بقدر حاجتها إلى عقول تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه، وما الذي تستطيع تقديمه خلال فترة المجلس.
وهنا يأتي دور الناخب الواعي. لا تجعلوا كثرة الظهور معيارًا للاختيار، ولا تنخدعوا بمن يسبق الآخرين في الإعلان عن نفسه؛ فالأسبقية في الظهور ليست أسبقية في الفكر، وارتفاع الصوت لا يعني امتلاك الحلول، وكثرة الوعود لا تصنع استراتيجية اقتصادية.
اسألوا كل مترشح: ما رؤيتك الواضحة لمستقبل قطاع الأعمال في شمال الباطنة؟ ما خطتك لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟ كيف ستتعامل مع تحديات التمويل والاستثمار والتوظيف؟ وما الأهداف التي تستطيع الالتزام بتحقيقها وقياس نتائجها؟ والأهم من ذلك كله: ماذا قدمت سابقًا، وماذا تستطيع أن تقدم مستقبلًا؟
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مجلس يمتلك الجرأة في اتخاذ القرار، والحكمة في إدارة الاختلاف، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص اقتصادية حقيقية. وهي مسؤولية لا تُقاس بسرعة إعلان الترشح، بل بعمق الفكرة، ووضوح الخطة، ونزاهة الموقف، والقدرة على العمل الجماعي.
وفي الختام.. لعل التنويه الصادر عن لجنة الانتخابات يكون رسالةً مبكرة للجميع بأن العمل المؤسسي يبدأ باحترام القواعد، وأن المنافسة الحقيقية لا تُحسم بالاستعجال ولا بالضجيج، بل بالكفاءة والبرنامج والثقة التي يكتسبها المرشح من أفعاله.
فيا أيها الناخب، لا تنتخب من يسبق إلى الإعلان عن نفسه، بل انتخب من يسبق إلى خدمة الناس. ولا تمنح صوتك لمن يبحث عن مقعدٍ يرفع مكانته، بل لمن يمتلك رؤيةً ترفع مكانة الاقتصاد وأصحاب الأعمال في شمال الباطنة.
مجلس إدارة الغرفة ليس جائزة ترضية للطامحين، ولا ساحة لاستعراض الأسماء؛ بل أمانةٌ تستحق رجالًا ونساءً يعرفون قيمة المسؤولية، ويملكون من الفكر والخبرة والاستراتيجية ما يجعل وجودهم إضافةً حقيقية، لا مجرد حضورٍ في الصورة ومحضر الاجتماع.
