سعيد بن محمد الرواحي
بعد سنوات طويلة من الصراع، يبدو أن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم كيف يمكن لليمنيين أن يصلوا إلى صيغة سياسية تجعل قرار الحرب خيار غير واقعي لكل الأطراف؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأزمة اليمنية شديدة التعقيد، وأن حسمها بالقوة وحدها يظل أمرًا بالغ الصعوبة. وكل جولة جديدة من القتال تعني مزيدًا من الخسائر لليمن، ومزيدًا من المخاطر على أمن المنطقة والحدود والملاحة والاقتصاد.
ومن هنا، فإن الطريق الأكثر استدامة يمر عبر حوار يمني شامل لا يُقصي المكونات السياسية والاجتماعية الرئيسية، ويبحث عن تسوية يستطيع الجميع أن يرى فيها قدرًا معقولًا من مصالحه وضماناته.
ومن الصعب تصور تسوية قابلة للحياة تتجاهل جماعة أنصار الله، فهي اليوم طرف سياسي وعسكري يسيطر فعليًا على مساحة تضم القسم الأكبر من السكان. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تضم نحو 70% من سكان اليمن، مع التأكيد أن هذا الرقم يتعلق بالسكان المقيمين في تلك المناطق، ولا يعني بطبيعة الحال أنهم جميعًا من أنصار الجماعة أو المؤيدين لها.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال اليمن في أنصار الله وحدهم؛ فهناك الحكومة المعترف بها دوليًا، والقوى والمكونات الجنوبية، والأحزاب السياسية، والقوى القبلية والاجتماعية، ومكونات أخرى لا يمكن بناء سلام مستدام من دون مشاركتها.
وهنا ربما يكون من المفيد إعادة التفكير في فكرة الدولة الاتحادية، ليس بالضرورة وفق نموذج جاهز يفرض على اليمنيين، وإنما بوصفها إطارًا يمكن التفاوض حوله.
ويمكن، على سبيل المثال، مناقشة صيغة تقوم على إقليمين رئيسيين، شمالي وجنوبي، ضمن دولة يمنية واحدة، مع منح كل إقليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونه الداخلية والخدمات والتنمية والإدارة المحلية، بينما تبقى القضايا السيادية الكبرى في يد الدولة الاتحادية.
وفي مثل هذا التصور تبقى القوات المسلحة والسياسة الخارجية والقضايا السيادية الأساسية ضمن مؤسسات الدولة الاتحادية، في حين تتمتع الأقاليم بصلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها الداخلية. والغاية هنا ليست تكريس الانقسام القائم، وإنما تحويله من صراع مسلح على السلطة إلى تنافس سياسي تحت مظلة الدولة الواحدة.
ويمكن أن يُنتخب رئيس الدولة وفق آلية دستورية يتوافق عليها اليمنيون وتضمن مشاركة مختلف المكونات، على أن تتولى المؤسسات الاتحادية الملفات السيادية الكبرى، بينما تتولى الإدارات المحلية شؤون الاقتصاد والخدمات والتنمية وإعادة الإعمار، ضمن توزيع واضح للصلاحيات يمنع احتكار السلطة ويحد من أسباب الصراع.
وقد يكون من أهم ضمانات أي اتفاق جديد أن ينص الدستور بوضوح على أن السياسة الخارجية لليمن تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وألا تتحول الأراضي اليمنية إلى مصدر تهديد لأي دولة مجاورة أو بعيدة أو ساحة للصراعات الإقليمية.
وهذا الجانب مهم بصورة خاصة للمملكة العربية السعودية. فاليمن والسعودية تجمعهما حدود طويلة وروابط اجتماعية واقتصادية وتاريخية، ولذلك فإن استقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فحسب، بل مصلحة سعودية وخليجية أيضًا.
وبدل أن تبقى العلاقة أسيرة الملف الأمني، يمكن للسلام أن يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تقوم على التكامل الاقتصادي.
فاليمن يمتلك عددًا كبيرًا من السكان، وموقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية على بحر العرب والبحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى موارد وفرص اقتصادية متنوعة، وتاريخًا تجاريًا وحضاريًا عريقًا، وموارد وفرصًا لم تستثمر بعد بالشكل الذي يستحقه. وإذا تحقق الاستقرار وأعيد بناء مؤسسات الدولة والبنية الأساسية، فإن اليمن يمكن أن يتحول من بؤرة استنزاف اقتصادي وأمني إلى شريك اقتصادي مهم لشبه الجزيرة العربية.
يمكن أن تدخل الاستثمارات السعودية والخليجية في مشاريع الموانئ والطرق والطاقة والزراعة والصناعة والسياحة وإعادة الإعمار، بينما يوفر السوق اليمني الكبير فرصًا واسعة للتجارة والاستثمار والعمل المشترك.
وبذلك يتحول الأمن من مفهوم يقوم على حماية الحدود فقط إلى مفهوم أوسع يقوم على المصالح المشتركة؛ فكلما ازدهر اليمن ووجد أبناؤه فرص العمل والاستقرار، تراجعت البيئة التي تنمو فيها الحروب والصراعات والتطرف والهجرة غير النظامية والتهريب.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج قبل كل شيء إلى شجاعة سياسية من جميع الأطراف. فالسلام الحقيقي لا يعني أن يحصل طرف على كل ما يريد، وإنما أن يقتنع الجميع بأن ما يمكن الحصول عليه عبر التسوية أفضل مما يمكن تحقيقه باستمرار الحرب.
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا خلال سنوات الصراع، كما تحملت دول الجوار أعباء أمنية واقتصادية وسياسية كبيرة. واستمرار الحرب يعني استمرار عدم الاستقرار، واستمرار القلق الأمني، واستنزاف الموارد، وتأجيل التنمية لعقود أخرى. أما السلام، فيمكن أن يغير المعادلة بالكامل. وحين يتوقفون عن توجيه طاقتهم نحو بعضهم بعضًا، ويوجهونها نحو بناء الدولة والاقتصاد، قد يصبح اليمن واحدًا من أهم الاقتصادات الصاعدة في جنوب الجزيرة العربية.
وفي النهاية، لن يستطيع أحد أن يحدد شكل الدولة اليمنية المقبلة نيابة عن اليمنيين أنفسهم. قد تكون دولة اتحادية من إقليمين، وقد يختار اليمنيون صيغة مختلفة تمامًا. لكن المبدأ الذي ينبغي ألا يتغير هو أن مستقبل اليمن يجب أن يصنعه اليمنيون عبر الحوار والتوافق، في دولة تحفظ وحدتها وسيادتها، وتطمئن جيرانها، وتتسع لجميع أبنائها. وربما حان الوقت لأن تنتقل المنطقة إلى سؤال أكثر أهمية؛ كيف ينتصر اليمن؟
