مدرين المكتومية
عندما كُنا في الصغر، سمعنا كثيرًا عن الصين وتطورها، وقدرتها التصنيعية الهائلة، حتى إن البعض كان يطلق على أي منتج منتشر في السوق أنه منتج صيني، لكن عندما كبرت أدركت أن هذه الدولة الرائدة ذات الحضارة الراسخة، عبارة عن عملاق اقتصادي، لا يعرف المستحيل، ويملك قدرة هائلة على تحويل التحديات إلى فرص.
وبحكم عملي الصحفي، سافرتُ إلى الصين مرات عديدة، وفي كل مرة كنت استكشف فيها صينًا جديدة؛ إذ ما زلتُ مقتنعة أن كل إقليم في الصين يعادل دولة بذاتها، بفضل ما تزخر به الأقاليم الصينية من تنوع جغرافي واقتصادي؛ بل وعرقي. لكن ما يلفت نظري دائمًا هو طبيعة العلاقات العُمانية الصينية، التي بالفعل تملك مقومات استثنائية للانتقال من مستوى الشراكة السياسية والتبادل التجاري إلى بناء منظومة متكاملة من المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، خاصة بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين منذ عام 2018، التي مثلت درة تاج العلاقة الخاصة بين عُمان والصين.
ولعل أبرز ما يمنح هذه العلاقة خصوصيتها هو عمقها التاريخي؛ فقد ارتبط العُمانيون بالصين عبر طرق التجارة البحرية منذ قرون بعيدة، وكانت موانئ صحار ومسقط ومرباط محطات مهمة في حركة السفن والبضائع بين شبه الجزيرة العربية والهند وشرق آسيا. وجميعنا يعلم أن التجار العُمانيين وصلوا إلى الصين في القرن الثامن الميلادي، وعلى رأسهم التاجر العُماني أبو عبيدة عبدالله بن القاسم، الذي وصل إليها عام 750م تقريبًا. كما مثّلت تجارة اللُبان العُماني واللؤلؤ والتمور وغيرها من السلع أحد وجوه هذا التواصل الحضاري.
وعندما نستحضر هذا التاريخ لا يعني أننا عيش في الماضي، أو نستدعيه لمجرد الاحتفاء به، ولكن رغبة منا في البناء عليه ورسم ملامح مستقبل اقتصادي أكثر طموحًا.
ولا يجب أن نختزل العلاقة بين البلدين في الشأن الاقتصادي وما يشهده من تحولات، لكنها علاقات متجذرة ترتكز على إرث بحري وتجاري ضارب في أعماق التاريخ، وتستمد فرصتها اليوم من صعود الصين كقوة صناعية وتكنولوجية عالمية، ويتماهى ذلك مع تطلعات عُماننا الغالية لتنويع اقتصادها وتعزيز موقعها في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
ودعوني أشير إلى أرقام واقعية تكشف عن حجم الفرص المتاحة؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 36.73 مليار دولار أمريكي في عام 2024، منها 30.93 مليار دولار واردات صينية من عُمان، مقابل 5.8 مليار دولار صادرات صينية إليها. وتعكس هذه الأرقام أهمية النفط العُماني في العلاقة التجارية، لكنها تكشف، في الوقت ذاته، عن ضرورة توسيع قاعدة التبادل لتشمل المنتجات الصناعية والخدمات والتكنولوجيا والاستثمارات ذات القيمة المضافة.
وهنا لا بُد أن أشير إلى دور اتفاقية الشراكة الاستراتيجية باعتبارها محطة مهمة في مسيرتها، غير أن طموحات كلا البلدين، تؤكد مدى الحاجة إلى تفعيل هذه الشراكة بوتيرة أكبر، عبر تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج تنفيذية واضحة، ومشروعات مشتركة ذات أهداف وجداول زمنية محددة؛ بما يضمن استفادة اقتصادنا الوطني من الإمكانات الصينية الهائلة، ويمنح الشركات الصينية فرصًا أوسع للاستثمار والإنتاج والتصدير من السلطنة، ومساعدة أبناء عُمان على اكتساب الخبرات النوعية، خاصة في المجالات التقنية والذكاء الاصطناعي وغيرها.
والواقع يؤكد أن الصين تمتلك خبرات متقدمة في التصنيع والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والإلكترونيات، بينما تتمتع عُمان بموقع استراتيجي وموانئ ومناطق اقتصادية حرة، فضلًا عن بيئة تسعى إلى استقطاب الاستثمارات النوعية. ويتيح التكامل بين هذه المقومات فرصًا لتوطين الصناعات، ونقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتطوير منتجات عُمانية قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
ومن أبرز النماذج التي نأمل تعزيزها والبناء عليها، هي المدينة الصناعية العُمانية الصينية في الدقم، والتي تعد نموذجًا عمليًا لهذا التوجه؛ إذ تضم مشروعات تستهدف استقطاب الصناعات الخفيفة والمتوسطة، ومنها سوق مواد الدقم الذي أُنشئ باستثمار بلغ 7.5 مليون ريال عُماني بالشراكة بين شركة «وان فانغ» الصينية وشركاء عُمانيين. كما تتيح المشروعات الصينية المرتبطة بسلاسل الإمداد فرصًا أوسع للتصنيع والتصدير.
وفي الصناعات المتقدمة، تبرز أهمية استثمار هذه الشراكة في تصميم الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومكونات الطاقة النظيفة. وقد استبشرنا خيرًا، عندما أُعلن قبل نحو 4 أشهر، عن اتفاقٍ لمشروع صيني لتصنيع مواد الأنود السيليكونية المستخدمة في بطاريات الليثيوم، باستثمار يقارب 192.2 مليون ريال عُماني؛ حيث أعلنت شركة تشونغكي إلكتريك عبر شركتها التابعة "تشونغكه شينزوم (هونغ كونغ)" عن وضع حجر الأساس وبدء الأعمال الإنشائية للمشروع في المنطقة الحرة بصحار، الذي يعد من أكبر قواعد الإنتاج الخارجية للشركة في مجال مواد الأنود لبطاريات الليثيوم أيون، ضمن خططها للتوسع العالمي وتعزيز قدرتها على تلبية الطلب المتنامي في الأسواق الدولية. ويجب البناء على هذه النماذج لجذب مزيد من التقنيات الصينية، وربط الاستثمارات بمراكز البحث والتطوير والتدريب والتوظيف النوعي؛ بما ينسجم مع مُستهدفات رؤية "عُمان 2040".
ورغم ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور، لا سيما على المستوى الاقتصادي، إلّا أنني أعتقد أن تعزيز التقارب الثقافي والإنساني أمر يجب أن يحرص عليه الجانبان، وعلى رأس هذا النوع من التقارب، تأتي مسألة تعليم اللغة الصينية، من خلال تأسيس معهد كونفوشيوس في سلطنة عُمان، ليكون مركزًا ثقافيًا صينيًا، يسهم في تعريف مجتمعنا بثقافة حضارية تمتد جذورها لآلاف السنين. كما يمثل التعاون الإعلامي ركيزة مهمة، وهنا أتحدث بشكل مباشر عن علاقتنا في جريدة الرؤية مع مؤسسات إعلامية صينية، وما حققناه من نتائج طيبة نجحت في تعزيز التعريف المتبادل بالبلدين، وإبراز الفرص الاستثمارية والسياحية والثقافية بعيدًا عن الوسائل الترويجية التقليدية.
وإذا ما تحدثنا عن التعاون في الجانب السياحي، فإن خطوط الطيران المباشرة بين مسقط وبكين، تحتاج لمزيد من العمل، من خلال زيادة الرحلات بين مدن أخرى، لا سيما من مطار صلالة ومن مطار قوانغتشو (جوانزو)، بالتوازي مع تكثيف الحملات الترويجية في السوق الصينية، وتطوير المنتجات السياحية التي تستثمر في الطبيعة العُمانية والتراث البحري والمواقع التاريخية.
أما الاستثمار الأهم على المدى البعيد، فيتمثل في الإنسان؛ إذ إن برامج التدريب والتأهيل التي تنفذها شركات صينية، وفي مقدمتها هواوي، بالتعاون مع مؤسسات عُمانية، ينبغي توسيعها لتشمل تخصصات أشمل في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصناعات الذكية.
وأخيرًا.. لا يُمكن أن نُقلل أبدًا من حجم الجهود المبذولة لتعزيز العلاقات العُمانية الصينية، لأنها بالفعل تحقق نتائج جيدة، لكننا في الوقت نفسه نريد الانتقال بهذه العلاقات إلى آفاق أرحب من الشراكة الاستراتيجية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فما تحقق بين البلدين على مر التاريخ، وخصوصًا في العقود القليلة الماضية، يحثُنا على مواصلة العمل لتحقيق تطلعات الشعبين وبناء مستقبل مشترك أكثر ازدهارًا.
