عباس الزدجالي
في الموروث الياباني، اشتهرت صورة القردة الحكيمة الثلاثة: أحدها يغطي عينيه، والثاني يسد أذنيه، والثالث يغلق فمه؛ تعبيرًا عن حكمة «لا أرى شرًا، لا أسمع شرًا، لا أتكلم شرًا». وهي صورة معروفة في منحوتات مزار توشوغو بمدينة نيكّو، تحمل في أصلها دعوة للابتعاد عن الشر.
لكننا، في تشبيه ساخر عن موقف بعض أصحاب الأعمال، نستطيع وضع «التعمين» مكان «الشر»: لا أرى التعمين، لا أسمع التعمين، ولا أريد الحديث عن التعمين! وكأن تشغيل المواطن خطر يهدد المؤسسة، وتدريبه خسارة، واستقراره الوظيفي عبء ينبغي أن تتحمله الحكومة وحدها.

والمفارقة أن اليابان، موطن هذه الصورة، تقدم درسًا مختلفًا. فتوصيات سياسات العمل فيها لمواجهة نقص العاملين تؤكد رفع الأجور، وتحسين ظروف العمل والتدريب، والاحتفاظ بالموظفين. أي إن معالجة احتياجات المؤسسة تبدأ أيضًا بالاستثمار في البشر وتحسين الوظيفة، ولا تختصر في البحث عن عامل أقل كلفة.
ولسنا بحاجة إلى الذهاب بعيدًا؛ ففي محيطنا الخليجي والعربي، وفي آسيا، أمثلة تجعل تشغيل المواطنين التزامًا على القطاع الخاص، وتضع ضوابط للاستقدام، بدلًا من ترك فرص العمل لحسابات الكلفة وحدها.
في السعودية مثلا، يحدد برنامج «نطاقات المطور» نسب التوطين وفق نشاط المنشأة وحجمها، ضمن مسار معلن يسمح للشركات بالتخطيط. وتُظهر النتائج التي أعلنتها وزارة الموارد البشرية تجاوز عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص 2.1 مليون بنهاية 2022؛ فالقطاع الخاص جزء من منظومة تشغيل المواطنين، ولا تُحصر هذه المسؤولية في الوظيفة الحكومية.
وفي الأردن، تنشر وزارة العمل قائمة بالمهن المغلقة أمام العمالة غير الأردنية، ضمن منظومة تصاريح تحدد مجالات تشغيلها وشروطه. وهذه سياسة واضحة المعنى: حاجة المنشأة إلى العمالة لا تمنحها حرية تجاوز المهن المحجوزة لأبناء البلد، ولا تجعل تفضيل صاحب العمل وحده معيارًا لتنظيم السوق.
أما سنغافورة، المعروفة بانفتاحها الاقتصادي، فتُلزم أصحاب العمل، في الحالات المشمولة بإطار النظر العادل في التوظيف، بالإعلان عن الوظيفة مدة لا تقل عن 14 يومًا متتالية قبل التقدم بطلبات تصاريح محددة للعمالة الأجنبية، مع النظر بإنصاف في المرشحين. توجد استثناءات، ولا يضمن الإعلان تعيين مواطن، لكنه يفرض إتاحة فرصة حقيقية للقوى العاملة المحلية قبل استكمال إجراءات الاستقدام.
هذه الأمثلة لا تعني أن أسواق تلك الدول مثالية، أو أن جميع أصحاب الأعمال فيها يقدمون المصلحة الوطنية طوعًا. بل تؤكد أهمية القواعد التي توجّه قراراتهم. ولدينا في عُمان أيضًا نسب تعمين ومهن مقصورة على المواطنين؛ ولذلك فالسؤال ليس عن وجود النصوص وحدها، وإنما عن تنفيذها، وجودة الوظائف التي تنتج عنها، واستعداد المؤسسات للاستثمار في العُماني.
ومن المشروع أن يناقش صاحب العمل نقص المهارات وكلفة التدريب وصعوبة استبقاء الموظفين. لكن المطلوب أن تتحول هذه المشكلات إلى برامج وموازنات ومواعيد للمعالجة. أما أن يظل المواطن «غير جاهز» عامًا بعد عام، فمتى تبدأ مسؤولية المؤسسة عن إعداده؟ ومن أين سيكتسب الخبرة إذا بقي الباب مغلقًا في وجهه؟
والنقد هنا لمن يقاوم التعمين، لا لكل مؤسسة خاصة. كما أن مسؤولية الحكومة عن التأهيل والتنظيم، ومسؤولية المواطن عن الانضباط والإنتاج، لا تلغيان مسؤولية صاحب العمل عن التدريب والتوظيف وتوفير شروط تستحق البقاء.
المواطن موظف ومستهلك وصاحب أسرة، ودخله يعيد الحركة إلى السوق التي تعيش عليها المؤسسات. لذلك فإن تشغيله المنتج استثمار في استقرار الاقتصاد نفسه.
أما أن نريده زبونًا دائمًا، ونراه عبئًا عندما يتقدم لوظيفة، فتلك مفارقة أكبر من أن تسترها ثلاث أيدٍ على العين والأذن والفم!
