بين هرمز والدقم.. حان الوقت

 

 

 

إدريس السعيدي

[email protected]

شكّل مضيق هرمز عبر التاريخ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ولا يزال يحتفظ بمكانته الاستراتيجية في حركة التجارة والطاقة الدولية. إلا أن التوترات الإقليمية وما يصاحبها من تحديات لحركة الملاحة تدفعنا إلى تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان، وفي مقدمة ذلك الدقم المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي.

وتتضح أهمية هذا التوجه بالنظر إلى حجم التجارة العابرة للمضيق، إذ تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى مرور نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يوميًا عبر هرمز خلال عام 2025. وهو ما يبرز الحاجة إلى تنويع المنافذ التجارية ومسارات الإمداد لتعزيز مرونة التجارة واستقرارها.

وفي المقابل، أصبحت الدقم مركزًا اقتصاديًا يحتضن استثمارات ملتزمًا بها تتجاوز 6.3 مليار ريال عُماني حتى منتصف عام 2025، إلى جانب مشاريع مهمة أبرزها ميناء الدقم والحوض الجاف ومصفاة الدقم، التي تبلغ طاقتها التصميمية 230 ألف برميل يوميًا. وتشكل هذه المشاريع قاعدة صناعية ولوجستية يمكن البناء عليها لتعزيز مكانة الدقم في التجارة الدولية.

وتكتسب الدقم أهمية تتجاوز كونها مشروعًا اقتصاديًا وطنيًا، إذ يمكن أن تؤدي دورًا أكبر في أمن الإمدادات وتنويع الخيارات التجارية للمنطقة. كما يتيح تكامل أنشطتها البحرية والصناعية فرصًا لاستقطاب الاستثمارات وتعزيز حضور سلطنة عُمان في سلاسل الإمداد العالمية.

وترتبط سلطنة عُمان بدول مجلس التعاون الخليجي بعلاقات تاريخية راسخة ومصالح اقتصادية مشتركة، وهو ما يفتح المجال أمام توسيع الشراكات التجارية والاستثمارية، والاستفادة من الإمكانات التي تمتلكها دول المجلس بما يخدم مصالحها المشتركة.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تعظيم الاستفادة من شبكات الطرق والمنافذ البرية القائمة، وفي مقدمتها منفذ الربع الخالي الرابط بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، إلى جانب المنافذ المشتركة مع دولة الإمارات العربية المتحدة. كما أن تطوير التكامل اللوجستي بين المنطقة الاقتصادية بالظاهرة وميناء الدقم يفتح فرصًا أوسع أمام حركة البضائع الخليجية نحو الأسواق العالمية. ويتطلب ذلك تعزيز خدمات النقل والشحن والتخليص الجمركي، ودراسة مسارات أكثر كفاءة تربط الأسواق الخليجية بالدقم.

وتتطلب المرحلة المقبلة مواصلة تطوير خدمات ميناء الدقم، من خلال استقطاب المزيد من الخطوط الملاحية العالمية، وتوسيع خدمات التخزين والمناولة وتموين السفن والصيانة، إلى جانب تقديم خدمات تنافسية وإجراءات ميسرة لشركات الشحن والمستثمرين.

وفي قطاع الطاقة، تبرز أهمية التوسع المدروس في مرافق التخزين والتصدير، ودراسة فرص ربط الدقم بشبكات نقل النفط والغاز وفق الجدوى الاقتصادية والفنية. فالمطلوب أن يتكامل دور الميناء مع أنشطة التصنيع وإعادة التصدير، بما يحقق قيمة مضافة ويوفر فرص عمل للكفاءات الوطنية.

إن الحديث عن الدقم لا يعني التقليل من أهمية مضيق هرمز أو الدعوة إلى استبداله، وإنما الاستفادة من الامتداد البحري الذي تتمتع به عُمان، وتحويل هذه الميزة إلى قوة اقتصادية تدعم التنويع والاستدامة، وتنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

لقد حان الوقت لتعظيم دور الدقم في الاقتصاد الإقليمي والعالمي؛ فالعالم يبحث عن مسارات تجارية أكثر مرونة واستقرارًا، وسلطنة عُمان تمتلك الموقع والمقومات التي تؤهلها للاستفادة من هذه التحولات. فشكرًا لهرمز، فمرحبًا بالدقم بوصفها فرصة اقتصادية تستحق المزيد من التطوير والاستثمار.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z