حسين الراوي
في السياسة الدولية، لا تكفي الشعارات الجميلة للحديث عن الصداقة والتحالفات؛ فالمواقف الحقيقية تظهر عندما تتعارض المبادئ المعلنة مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وعندما تصبح الحسابات الوطنية أهم من الالتزامات تجاه الحلفاء.
وهذا ما تكشفه صفقة الديزل الروسي التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، متضمنةً تخفيفًا للقيود على الصادرات الروسية، في خطوة يبررها ترامب بالسعي إلى خفض أسعار الوقود، لكنها تمنح موسكو منفذًا إضافيًا لتحقيق الإيرادات بينما تستمر الحرب على أوكرانيا.
وما إن انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاتفاق، واعتبره غير منصف، حتى صعّد ترامب هجومه عليه، وذهب إلى الدعوة إلى اختيار رئيس أوكراني جديد يستطيع التوصل إلى اتفاق مع روسيا. وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب إنهاء الحرب بسلام عادل، أم الضغط على كييف لقبول تسوية لا تحقق مصالحها، وتمنح موسكو ما عجزت عن انتزاعه في ميدان القتال؟
إن مطالبة زيلينسكي بالتنازل تحت وطأة الضغوط الأمريكية، بالتزامن مع تسهيل صادرات الطاقة الروسية، تثير مخاوف جدية بشأن اختلال ميزان الضغوط بين الطرفين. كما أن مطالبة ترامب أوكرانيا بوقف استهداف المصافي والمنشآت النفطية الروسية، في الوقت الذي تستمر فيه الهجمات الروسية على الأراضي الأوكرانية، تطرح تساؤلًا جوهريًا عن عدالة هذه المطالب، خصوصًا إذا لم تقترن بالتزام روسي واضح ومتكافئ.
ولا تقف المسألة عند هذا الحد؛ فالصفقة تضع واشنطن في موقف يثير قلق حلفائها الأوروبيين، وتطرح تساؤلات عن مدى التنسيق مع حلف شمال الأطلسي، وعن مصير التحالفات التقليدية حين تتقدم المصالح الأمريكية المباشرة على اعتبارات الأمن الأوروبي. أما القول إن ترامب يريد رئيسًا أوكرانيًا ضعيف الشخصية، فهو استنتاج سياسي لا يمكن الجزم به، لكن دعوته العلنية إلى استبدال زيلينسكي تفتح الباب أمام مخاوف مشروعة من محاولة التأثير في القرار السياسي الأوكراني.
والأخطر أن زيادة الإيرادات الروسية من صادرات الطاقة قد تعزز قدرة موسكو على تمويل حربها، وتطيل أمد الصراع بدلًا من تقريب نهايته، بينما يظل أثر الصفقة الفعلي في أسعار الوقود موضع تساؤل.
إن السلام الحقيقي لا يتحقق بالضغط على الطرف الذي يدافع عن أرضه وحده، ولا بمكافأة الطرف المعتدي اقتصاديًا من دون ضمانات واضحة تنهي الحرب وتحمي سيادة أوكرانيا. فالتسوية العادلة تحتاج إلى التزامات متبادلة، لا إلى تنازلات أحادية الجانب.
حبل الصداقة رهيف، وحبل المصالح أقوى. تلك حقيقة تكشفها السياسة الدولية كل يوم؛ فحين تتعارض المصالح، تُختبر التحالفات، وتظهر المسافة بين الوعود والمواقف. ومن يراهن على صداقات الدول وحدها، من دون أن يمتلك عناصر القوة وأوراق المصالح، قد يجد نفسه يومًا يدفع ثمن قرارات اتخذها حلفاؤه بعيدًا عن حساباته.
