عقدة المفاوضات بين واشنطن وطهران

هدى علي **

لم تعد المفاوضات بين واشنطن وطهران تدور حول البرنامج النووي الإيراني وحده، بل تحولت إلى مسار معقد تتداخل فيه الحرب والعقوبات والنفط وحرية الملاحة في مضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة.

وبينما تحاول الوساطات الإقليمية وخصوصًا القطرية إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، لا يزال الخلاف الأساسي يدور حول طبيعة التنازلات وترتيبها، ماذا تقدم إيران أولًا؟ وماذا تقدم الولايات المتحدة في المقابل؟ والأهم كيف يمكن ضمان تنفيذ الخطوات المتفق عليها بحيث لا يتحول أي تنازل إلى خطوة أحادية الجانب؟

في أحدث التحركات الدبلوماسية طرحت طهران مبادرة تقوم على خطوات متتابعة لإنهاء الأعمال القتالية ورفع القيود المفروضة عليها والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل إعادة فتح مضيق هرمز والانتقال إلى مفاوضات أوسع.

وقد نقلت رويترز أن طهران تلقت ردًا أمريكيًا عبر وسطاء قطريين فيما بقي الخلاف حول تسلسل تنفيذ الخطوات أحد أبرز العوائق أمام التوصل إلى تفاهم.

مضيق هرمز.. ورقة الضغط الأكثر حساسية

في قلب الأزمة يقف مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، والذي تحول خلال المواجهة إلى ورقة تفاوضية تتجاوز مسألة الملاحة نفسها.

بالنسبة إلى طهران يرتبط فتح المضيق بتنفيذ مجموعة من الشروط المتعلقة بإنهاء الأعمال القتالية وتخفيف الضغوط الاقتصادية.

أما واشنطن فتتعامل مع حرية الملاحة وإعادة حركة السفن والطاقة باعتبارها جزءًا أساسيًا من أي تسوية محتملة.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إيران لا تزال تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في طرق العبور داخل المضيق، في وقت تواجه فيه الناقلات مخاطر متزايدة.

فقد سجل الأسبوع الماضي أعلى مستوى من الهجمات على ناقلات النفط منذ بدء الحرب فيما حذرت مصادر إقليمية من أن طهران قد تعرقل طرقًا جديدة تعتبرها غير مصرح بها.

لكن وضع المضيق لا يعني توقف حركة الملاحة بالكامل، إذ استمرت بعض عمليات العبور بينما تراجعت حركة السفن مجددًا مع تصاعد الهجمات؟ وهذا يجعل هرمز ورقة ضغط مباشرة في أي تفاوض ويزيد في الوقت نفسه من صعوبة التوصل إلى ترتيبات مستقرة بشأن حرية الملاحة.

وهنا تظهر إحدى العقد الأساسية في المفاوضات، إيران تريد ضمانات قبل تقديم تنازلات بينما تريد الولايات المتحدة خطوات إيرانية ملموسة قبل تقديم تنازلات مقابلة.

الأموال المجمدة.. ورقة اقتصادية على طاولة السياسة

تمثل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج ورقة تفاوضية أخرى، وتطالب طهران بالإفراج عن جزء من هذه الأصول باعتباره أحد عناصر تخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.

وقد ظهرت قضية الأموال المجمدة في جولات تفاوضية سابقة فيما تناولت المحادثات الأمريكية الإيرانية أيضًا آليات الإفراج عن الأموال بالتوازي مع ملف الملاحة في مضيق هرمز.

لكن القضية لا تتعلق بحجم الأموال فقط وإنما بشروط الإفراج عنها وتوقيته وآليته والجهات التي تملك صلاحية الوصول إليها.

لذلك فإن تحويل هذه الأموال إلى جزء من اتفاق سياسي يتطلب ترتيبات واضحة تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

وبالنسبة إلى واشنطن لا يبدو تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول منفصلًا عن بقية الملفات ولا سيما الملف النووي.

وفي المقابل لا تزال أدوات الضغط الاقتصادي حاضرة؛ إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 8 أكتوبر فرض عقوبات جديدة على أفراد وشبكات و17 سفينة مرتبطة بنقل النفط والمنتجات النفطية الإيرانية.

وهذا التطور يعكس مفارقة واضحة في المسار الحالي، الاتصالات الدبلوماسية مستمرة لكن الضغط الاقتصادي لم يتوقف.

الملف النووي يعود إلى الواجهة

رغم تصدر هرمز والعقوبات والأموال المجمدة المشهد في المرحلة الحالية يبقى البرنامج النووي الإيراني أحد الملفات الرئيسة في أي اتفاق طويل الأمد بين واشنطن وطهران.

وتريد الولايات المتحدة إدخال الملف النووي ضمن تسوية أوسع بما يشمل آليات للتحقق والرقابة على البرنامج الإيراني.

وفي المقابل ركزت طهران في مبادرتها الأخيرة على إنهاء المواجهة وإعادة فتح المضيق وتخفيف الضغوط قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع بشأن القضايا الأخرى.

وهذا الاختلاف لا يتعلق فقط بمضمون الاتفاق؛ بل بتوقيت مناقشة كل ملف؛ فواشنطن تريد أن يكون الملف النووي جزءًا من أي تسوية شاملة بينما تدفع طهران باتجاه خطوات أولية تعيد الوضع إلى مسار أكثر هدوءًا قبل الدخول في مفاوضات أوسع.

وتزداد أهمية هذا الملف مع بقاء مسألة التفتيش والرقابة وآليات التحقق من الالتزامات النووية بين القضايا التي تحتاج إلى ترتيبات دقيقة ما يجعل الاتفاق المحتمل أكثر تعقيدًا من مجرد تفاهم سياسي مؤقت.

العقوبات والنفط.. ضغط اقتصادي مقابل حاجة إلى التهدئة

إلى جانب هرمز والنووي تشكل العقوبات والقيود على صادرات النفط إحدى أهم أدوات الضغط في المواجهة؛ فالاقتصاد الإيراني يتأثر باستمرار القيود المفروضة على التجارة والطاقة بينما تنعكس اضطرابات حركة النفط عبر هرمز على الأسواق العالمية.

ومع تراجع حركة العبور مجددًا ارتفعت أسعار النفط، وتجاوز خام برنت 105 دولارات للبرميل خلال تداولات 8 أكتوبر قبل أن يتراجع جزئيًا.

وبذلك يصبح النفط جزءًا من المعادلة التفاوضية من جهتين، فهو مصدر رئيس للضغط على الاقتصاد الإيراني وفي الوقت نفسه يمثل أحد أبرز دوافع المجتمع الدولي لإعادة حركة الملاحة والطاقة إلى مسارها الطبيعي.

وهنا تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الملفات السياسية والأمنية بحيث يصعب فصل العقوبات عن هرمز أو النفط عن المفاوضات النووية.

اتصالات مستمرة رغم التصعيد

ورغم تعثر التوصل إلى اتفاق نهائي لم تُغلق قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران وفي أحدث تطور، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 8 أكتوبر إن الولايات المتحدة تجري مناقشات مثمرة مع إيران وأعلن أنها لن تستأنف الهجمات على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر.

لكن المسار الدبلوماسي لا يجري في فراغ، فالتوتر حول مضيق هرمز تصاعد بالتزامن مع استمرار المفاوضات وسجلت المنطقة خلال الأيام الأخيرة هجمات متزايدة على ناقلات النفط ما أدى إلى تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية في المشهد الحالي: المفاوضات مستمرة لكن أدوات الضغط لم تتوقف.

المفاوضات أمام اختبار صعب

المشكلة لم تعد في وجود قنوات اتصال بين واشنطن وطهران؛ فالوساطات لا تزال تعمل على إبقاء المفاوضات غير المباشرة قائمة ولا سيما عبر قطر، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الاتصالات إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

فكل طرف يريد ضمانات تمنعه من تقديم تنازل ثم اكتشاف أن الطرف الآخر لم ينفذ التزاماته، ولهذا تبدو المفاوضات أمام شبكة من الملفات المترابطة، مضيق هرمز، العقوبات، النفط، الأموال المجمدة، والبرنامج النووي. وأي تسوية لن تكون سهلة ما لم تتفق واشنطن وطهران على آلية واضحة تحدد الخطوات المتبادلة، وتوقيت تنفيذها والضمانات التي تمنع انهيار الاتفاق لاحقًا.

وفي ظل استمرار الوساطات يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الطرفين على تحويل أوراق الضغط إلى خطوات متبادلة تفتح الطريق أمام اتفاق أوسع. فالعقدة لم تعد في الوصول إلى طاولة التفاوض؛ بل في كيفية مغادرتها باتفاق يستطيع كل طرف الالتزام به من دون أن يرى فيه تنازلًا أحاديًا.

** باحثة لبنانية في مركز الدراسات الآسيوية والصينية – بيروت

يُنشر بالتعاون مركز الدراسات الآسيوية والصينية - لبنان

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z