د. علي موسى الكناني
هل يتجه العالم نحو تفاهم أميركي روسي يعيد ترتيب موازين القوة، حتى لو جاء على حساب المصالح الأوكرانية؟ وهل تستطيع أوروبا حماية أمنها إذا تباعدت أولوياتها عن واشنطن؟ والأهم، كيف ستنعكس هذه التحولات على التوازنات الدولية والشرق الأوسط؟
تكتسب هذه الأسئلة أهميتها من التداخل بين المساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأوكرانية، والتنافس على النفوذ الدولي، ومحاولات القوى الكبرى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية. فالتقارب بين واشنطن وموسكو، إذا تحقق ضمن تفاهمات أوسع، لن يقتصر أثره على مستقبل الحرب، بل قد يمتد إلى بنية التحالفات الدولية وحدود الالتزامات الأمنية وموازين الردع.
من منظور استراتيجي، قد تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص كلفة الحرب، وتوجيه مواردها نحو أولويات أخرى، وفتح قنوات تفاوض مع موسكو بشأن ملفات الأمن الدولي. في المقابل، تسعى روسيا إلى تثبيت مكاسبها الميدانية، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتعزيز موقعها التفاوضي. غير أن تقاطع المصالح في بعض الملفات لا يعني تطابق الأهداف، إذ تبقى قضايا الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقة بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي عقبات جوهرية أمام أي تسوية محتملة.
أما احتمال تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا أو التخلي عنها، فيمثل سيناريو يحمل تداعيات تتجاوز حدود الحرب؛ فإضعاف قدرة كييف على مواصلة الدفاع قد يعيد تشكيل شروط التفاوض، لكنه قد يثير أيضا تساؤلات بشأن مصداقية الالتزامات الأميركية تجاه الحلفاء. وفي المقابل، قد يدفع أوروبا إلى تحمل مسؤوليات أمنية أكبر، وتسريع تطوير صناعاتها الدفاعية، وإعادة النظر في اعتمادها الاستراتيجي على الولايات المتحدة.
وتواجه أوروبا اختبارا يتجاوز توفير السلاح والتمويل لأوكرانيا، ليشمل قدرتها على بناء موقف سياسي موحد وتطوير منظومة ردع مستقلة نسبيا. إلا أن هذا التوجه يصطدم بتباين التقديرات بين الدول الأوروبية بشأن مستوى التهديد الروسي، وكلفة الدفاع، وحدود العلاقة المستقبلية مع واشنطن. لذلك، فإن أي تراجع في التنسيق عبر الأطلسي قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب الأمن الأوروبي، لكنه لا يعني بالضرورة تفكك التحالف الغربي.
وفي الشرق الأوسط، قد تنعكس التفاهمات الأميركية الروسية على ملفات الطاقة والأمن الإقليمي وسوريا وإيران وأمن إسرائيل والخليج. وقد تتيح بعض التفاهمات فرصا لخفض التصعيد، لكنها قد تخلق أيضا تنافسا جديدا على النفوذ إذا لم تشمل مصالح الأطراف الإقليمية. كما أن أي اضطراب في أسواق الطاقة أو الممرات البحرية سيجعل المنطقة أكثر تأثرا بالتحولات في العلاقات بين القوى الكبرى.
إن التحول المحتمل في العلاقات الأميركية الروسية يمثل اليوم اختبارا لمستقبل التحالفات والضمانات الأمنية وقواعد إدارة النظام الدولي. فإذا تحولت التسوية في أوكرانيا إلى تفاهم لتقاسم النفوذ من دون ضمانات حقيقية، فقد تفتح الباب أمام سباق جديد لإعادة بناء موازين الردع، وتدفع أوروبا إلى مراجعة اعتمادها الأمني على واشنطن، فيما تعيد القوى الإقليمية حساباتها وفقا لمعادلات القوة الجديدة. أما الشرق الأوسط، فقد يصبح إحدى ساحات انعكاس هذه التحولات، حيث تتداخل فيها ملفات الطاقة والأمن والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي.
ومن هنا، فإن المعيار الاستراتيجي لأي تفاهم لا يكمن في سرعة وقف الحرب، بل في قدرته على معالجة أسبابها، ومنع تجددها، وبناء توازن يحد من فرص الإكراه والصدام. فالنظام الدولي لا يتغير فقط عندما تتفق القوى الكبرى، بل عندما تعيد الدول الأخرى تعريف مصالحها وتحالفاتها استجابة لما تكشفه تلك الاتفاقات عن حدود القوة ومصداقية الالتزامات الدولية.
