الحماية الأسرية.. أمن مجتمعي وفرص مهنية واعدة للكفاءات الوطنية

 

 

 

أسماء علي مقيبل

في إحدى اللحظات الحرجة التي قد تتعرض لها أسرة ما، أو امرأة تواجه عنفًا أسريًا، أو طفل وقع ضحية إساءة أو استغلال، لا يكون السؤال الأهم: ماذا ستفعل الجهات المختصة؟ بل أين يمكن الوصول إليها؟ وكم من الوقت تحتاجه لتقديم التدخل المهني المطلوب؟ فبين لحظة الخطر ولحظة الحماية قد تُصنع الفوارق الكبرى التي تحدد مصير إنسان أو استقرار أسرة كاملة.

من هنا لم تعُد منظومات الحماية الأسرية في العالم المعاصر مجرد خدمات اجتماعية مساندة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن المجتمعي، وإحدى الركائز الأساسية التي تقاس بها كفاءة الدول في حماية أفرادها وتعزيز استقرارها الاجتماعي. فكلما كانت مؤسسات الحماية أكثر قربًا وجاهزية وانتشارًا، كانت قدرتها أكبر على التدخل المُبكِّر والحد من تفاقم المشكلات ومعالجة آثارها قبل أن تتحول إلى أزمات مجتمعية أوسع نطاقًا.

وفي سلطنة عُمان، حظيت الأسرة باهتمام متواصل باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع، وتجسَّد ذلك من خلال الجهود التي تبذلها وزارة التنمية الاجتماعية؛ حيث تتولى دائرة الحماية الأسرية مسؤوليات متعددة تشمل تعزيز التماسك الأسري، وتلقي البلاغات، ودراسة الحالات، والإشراف على خدمات الحماية، واقتراح البرامج والسياسات الكفيلة بحماية الأفراد المعرضين للإساءة أو العنف وتعزيز الاستقرار الأسري والمجتمعي

وتؤكد اللوائح المنظمة الحديثة أن خدمات الحماية الأسرية لا تقتصر على توفير الحماية الفورية للحالات فحسب، وإنما تشمل خدمات اجتماعية ونفسية وصحية وتأهيلية وثقافية متكاملة تستهدف الأطفال المعرضين للإساءة أو الاستغلال، والنساء المعرضات للعنف، وضحايا الاتجار بالبشر وغيرهم من الفئات التي تستدعي تدخلًا مهنيًا متخصصًا يوفر الحماية ويؤسس لمرحلة التعافي وإعادة الاندماج في المجتمع.

والواقع الاجتماعي اليوم يفرض معطيات جديدة تختلف كثيرًا عمَّا عرفته المجتمعات في العقود السابقة؛ فثورة الاتصالات، وتوسع الفضاء الرقمي، والانفتاح الإعلامي غير المحدود، أدت إلى ظهور أنماط مستجدة من التحديات الاجتماعية والأسرية، بعضها لم يكن مطروحًا بالدرجة نفسها في السابق. وقد أفرز هذا الواقع صورًا جديدة من الإساءة والعنف والابتزاز والاستغلال الإلكتروني، فضلًا عن التأثيرات السلبية لبعض المحتويات التي تستهدف الأطفال واليافعين والمرأة، وتؤثر في منظومة القيم والسلوك والوعي الاجتماعي.

ومع تزايد هذه المتغيرات، لم يعد كافيًا الاعتماد على نماذج التدخل التقليدية أو الاقتصار على التعامل مع الحالات بعد وقوعها، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على الجاهزية المؤسسية والتدخل المهني المبكر. والمجتمعات الحديثة لا تنتظر تفاقم المشكلة حتى تتحرك، وإنما تبادر إلى بناء مؤسسات قادرة على الوقاية والاستجابة والمعالجة في آنٍ واحد.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الوطنية إلى التوسع في إنشاء وتجهيز مراكز للحماية الأسرية في مختلف محافظات السلطنة، ضمن رؤية تقوم على تقريب الخدمة من المستفيد، وتعزيز كفاءة التدخلات المهنية للحالات، وتوفير بيئات احترافية وآمنة تراعي خصوصية المستفيدين واحتياجاتهم المختلفة. والحقيقة أن القضية لا تتعلق بإنشاء مبانٍ جديدة فحسب، بل ببناء منظومة متكاملة للحماية المجتمعية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع.

إن وجود مراكز للحماية الأسرية في مختلف المحافظات سيسهم في ترسيخ نموذج الحماية اللامركزي القريب من المجتمع، وهو نموذج يختصر زمن التدخل، ويرفع كفاءة الخدمات ويعزز التكامل بين المؤسسات الصحية والتعليمية، والقضائية والأمنية والاجتماعية. فالاستجابة في الوقت المناسب في مثل هذه الحالات ليست تفصيلًا إجرائيًا؛ بل قد تكون عاملًا حاسمًا في حماية الضحية، ومنع تفاقم الضرر، وتحقيق التعافي بصورة أكثر فعالية.

كما أن إنشاء مرافق حديثة ومجهزة بأحدث الوسائل الفنية والتقنية سيوفر بيئة مهنية متكاملة لإدارة الحالات وتوثيقها ومتابعتها، وسيدعم استخدام الأنظمة الرقمية الحديثة في تحليل المؤشرات الاجتماعية ورصد الاتجاهات الناشئة والتعامل معها بفاعلية أكبر. فالتحديات الاجتماعية المعاصرة أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، ما يتطلب مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على الاستشراف والتنبؤ بالمخاطر.

ولا تقف مكاسب هذا التوجه عند حدود الحماية فحسب، بل تمتد إلى بعد تنموي واقتصادي بالغ الأهمية؛ فالتوسع في إنشاء وتطوير مراكز الحماية الأسرية سيخلق حاجة متنامية إلى الكوادر الوطنية المؤهلة في مجالات العمل الاجتماعي، وعلم النفس، والإرشاد الأسري، والقانون، والتربية، والرعاية الصحية، وإدارة الحالات، والتحول الرقمي، وإدارة البيانات، وغيرها من التخصصات ذات الصلة. ومن شأن ذلك أن يفتح آفاقًا واسعة أمام الخريجين والخريجات والباحثين عن عمل في مختلف محافظات السلطنة، وأن يسهم في توفير فرص عمل نوعية ومستدامة للشباب العُماني داخل مجتمعاتهم المحلية؛ بما يعزز الاستثمار في رأس المال البشري الوطني، ويجعل قطاع الحماية الأسرية أحد المجالات الواعدة للتشغيل والتنمية البشرية.

وبهذا المعنى، لا تقتصر هذه المراكز على أداء دورها في الحماية والتأهيل والدعم، بل تصبح رافدًا تنمويًا يسهم في استقطاب الكفاءات الوطنية وتمكينها من أداء أدوارها المهنية والإنسانية، بما يعزز جودة الخدمات المقدمة ويرتقي بمنظومة الحماية الأسرية على مستوى المحافظات كافة.

وإذا كانت رؤية "عُمان 2040" تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، وتسعى إلى تعزيز جودة الحياة وبناء مجتمع متماسك يتمتع أفراده بالأمن والرفاه والاستقرار، فإن تطوير منظومة الحماية الأسرية يمثل ترجمة عملية لهذه التوجهات الوطنية. كما ينسجم مع رسالة وزارة التنمية الاجتماعية الرامية إلى تعزيز الرفاه الاجتماعي وجودة الحياة وتحقيق المزيد من التماسك المجتمعي.

إن الاستثمار في مراكز الحماية الأسرية لا ينبغي النظر إليه بوصفه تكلفة اجتماعية، وإنما باعتباره استثمارًا وطنيًا طويل الأمد في الإنسان والأسرة والمجتمع؛ فكل مركز يُنشأ، وكل كادر وطني يُمكَّن، وكل حالة تُحمى في الوقت المناسب، تُشكِّل في مجموعها لبنة جديدة في بناء مجتمع أكثر أمنًا واستقرارًا وتماسكًا.

ولعل الرسالة الأهم اليوم هي أن التحديات الاجتماعية المستجدة لا تُواجَه بالمؤسسات التقليدية وحدها، بل بمنظومات حديثة تمتلك الجاهزية والكفاءة والقرب من المجتمع. ومن هنا، فإن إنشاء وتطوير مراكز الحماية الأسرية في جميع محافظات السلطنة لم يعد مجرد مطلب خدمي؛ بل أصبح استجابة وطنية واعية لمتغيرات العصر، واستثمارًا مباشرًا في أمن المجتمع، وحماية الأسرة، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z