دغبوش.. السولكولوما المرباطي

من العصاريات النادرة والمهددة في شرق ظفار

 

 

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب **

خلال مسوحاتي الميدانية للنباتات البرية في محافظة ظفار، تابعتُ نباتًا عصاريًا نادرًا هو Sulcolluma mirbatensis وهو نبات ارتبط في سجله العلمي الأصلي بالمنطقة القريبة من مرباط، عند قاعدة جبل سمحان، في موطن صخري من الجرانيت. وقد وصفه توم مكوي اعتمادًا على عينة جمعها في 25 سبتمبر 2011، على بعد نحو 8 كيلومترات شمال/ شمال شرق مرباط، وعلى ارتفاع 20 مترًا عن سطح البحر.

من خلال المسوحات التي أجريتها، تبين أن نطاق وجوده يمتد في الجزء الجنوبي من جبل سمحان، ضمن منطقة ساحلية ذات هضاب من صخور الجرانيت وتربة حجرية في شرق ظفار، بارتفاع يتراوح تقريبًا بين 10 و40 مترًا عن سطح البحر. وقد رصدته من الدمر التابعة لمرباط غربًا، حتى منطقة لجا شليون في ولاية سدح، إلا أن انتشاره في هذا النطاق ليس متصلًا، إذ يوجد في موائل محدودة وبأعداد قليلة. وهذه الملاحظة الميدانية مهمة في تقدير وضع النبات، فمحدودية الموائل وتشتت تجمعاته وقلة أعداده تجعلني، بحكم مسؤوليتي المهنية كباحث مستقل في النباتات البرية، أرى أن النبات مهدد، بل وفي خطر الانقراض في سلطنة عُمان، ويحتاج إلى تقييم رسمي لحالة حفظه وحماية موائله.

وينتمي النبات إلى النباتات العصارية المتكيفة مع البيئات الصخرية شديدة الجفاف. سوقه لحمية وقادرة على تخزين الماء، ذات أربعة أضلاع واضحة، ومقسمة إلى أجزاء متتابعة تحمل على حوافها بروزات مثلثة متكررة. ويتدرج لون السوق من الأخضر إلى الأخضر الرمادي، وقد يختلف مظهرها بحسب عمر الساق والظروف التي ينمو فيها النبات.

وينمو النبات أساسًا بين شقوق صخور الجرانيت، ويظهر متقزمًا في المواضع المكشوفة، بينما يمكن أن تطول أضلاعه اللحمية داخل المغارات الصغيرة والشقوق المحمية وتحت ظلال النباتات. وهو نبات معمر، وقد وجدته أحيانًا في هيئة تجمعات تضم نحو 15 إلى 40 جزءًا لحميًا، بينما يظهر في مواقع أخرى على هيئة ثلاث أو أربع مجموعات منفصلة.

ومن الملاحظات المهمة التي أسجلها أن السيقان اللحمية تنشأ من درنات صغيرة مضلعة متجذرة أسفل سطح الأرض، وهي بنية تساعد النبات على البقاء في البيئة الجافة.

ينمو هذا النبات في المواضع الأشد جفافًا في شرق ظفار، ويتأثر بصورة غير مباشرة بالظروف المناخية المرتبطة بالرياح الموسمية، ففي فصل الخريف تصل إلى موائله زخات من الرذاذ، فتضيف قدرًا محدودًا من الرطوبة إلى بيئته الصخرية. وهذا التكيف، إلى جانب طبيعة السوق العصارية، يسمح له بالبقاء في موائل جافة جدًا.

وتظهر أزهار النبات في تجمعات، وهي صغيرة ونجمية الشكل، ذات فصوص مثلثة حادة. وفي النباتات التي وثقتها تظهر الأزهار بلون خمري إلى أرجواني، مع مساحة داخلية فاتحة كثيفة التبقع وتفاصيل دقيقة في مركز الزهرة. وتكتسب الزهرة أهمية تصنيفية خاصة، فقد أشار الوصف الأصلي إلى أن الفصوص الداخلية للتاج الزهري قائمة، وهي من الصفات المميزة للنبات، كما أن أزهاره تعد صغيرة مقارنة بالنباتات القريبة منه. وهذه الصفات تتوافق بصورة واضحة مع التفاصيل التي تظهر في الصور التي وثقتها ميدانيًا.

أما الثمار فتتكون من زوج من القرون المتقابلة، وهي قرون أسطوانية نحيفة ولحمية، ذات لون أخضر رمادي باهت، يزداد امتلاؤها قليلًا في الجزء الأوسط، ثم تضيق تدريجيًا نحو القاعدة والنهاية، ويصل طول الزوج إلى نحو 6 سم. ومع تقدمها في النضج والجفاف يتحول لونها تدريجيًا إلى درجات أكثر شحوبًا تميل إلى البني الرمادي. وعند نضجها تتحرر البذور، وهي صغيرة وخفيفة، تحمل عند أحد أطرافها زائدة شعرية حريرية طويلة، بيضاء إلى بيضاء مصفرة، تشكل هيئة خفيفة تساعدها على الانتقال مع حركة الهواء، ولذلك تنتشر البذور بالرياح، وهو تكيف ملائم لانتشار النبات بين موائله الصخرية المتباعدة.

كان هذا النبات يقع ضمن المعالجة التصنيفية للنباتات القريبة من Sulcolluma hexagona، كما أن هيئته الخضرية تشبه بدرجة كبيرة Monolluma hexagona، خصوصًا في السوق العصارية المضلعة. لكن الصفات الزهرية كانت حاسمة في تمييز نبات مرباط ووصفه نوعًا مستقلًا.

وقد نشر مكوي النوع سنة 2012 اعتمادًا على العينة التي جمعها من قاعدة جبل سمحان قرب مرباط سنة 2011. ويرتبط الاسم العلمي Sulcolluma mirbatensis باسم مرباط، فالصفة النوعية mirbatensis تشير إلى مرباط التي ارتبط بها اكتشاف ووصف هذا النبات.

وتشير السجلات النباتية إلى أصل الاسم من سلطنة عُمان، مع وجود معالجة تصنيفية أحدث للاسم، لذلك أستخدم هنا Sulcolluma mirbatensis T.A.McCoy بوصفه الاسم الذي نشر به النوع أصلًا، وهو الاسم الذي يقوم عليه هذا التوثيق.

ومن ضمن التحديات التي لاحظتها ميدانيًا أن النبات يؤكل بالكامل، ويعد من أفضل أنواع العصاريات من الضجوع التي يقبل عليها السكان، وهو ما يمثل أحد أسباب تناقص أعداده وتراجع بعض موائله الطبيعية. كما أن دهس الحيوانات للنموات الحديثة في المناطق المكشوفة يمثل عاملًا آخر قد يؤثر في تجدد تجمعاته، خصوصًا أن أعداده في الأصل محدودة وموائله متفرقة.

ومن خلال ما شاهدته بنفسي أثناء المسوحات، فإن أهمية هذا النبات لا تكمن في ندرته فقط، وإنما في ارتباطه بموائل جرانيتية محدودة جدًا، وتجمعاته القليلة والمتفرقة ضمن نطاق جغرافي محدود في شرق ظفار. ولذلك أرى أن توثيق مواقعه ومتابعة أعداده والمحافظة على موائله الطبيعية، والحد من العوامل التي تؤثر في تجدد تجمعاته، أمور ضرورية للحفاظ عليه في بيئته الطبيعية.

وأود أن أوضح أن جميع الصور التي أنشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو أرفقها في مقالاتي المنشورة في الصحف المحلية والصفحات الإلكترونية، هي من تصويري ورصدي الميداني للنباتات البرية، سواء في محافظة ظفار أو في شمال سلطنة عُمان، وهي جزء من توثيقي الميداني المستمر للتنوع النباتي في السلطنة.

** باحث في توصيف النباتات البرية

 

صور داخل المقال (9).jpeg
صور داخل المقال (8).jpeg
صور داخل المقال (7).jpeg
صور داخل المقال (6).jpeg
صور داخل المقال (5).jpeg
صور داخل المقال (3).jpeg
صور داخل المقال (1).jpeg
صور داخل المقال (2).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z