الدكتورة جمالات عبد الرحيم
هناك سؤال يسكن وجدان كل مصري وعربي منذ أكثر من مائة عام، ولم نجد له إجابة شافية حتى اليوم: هل قدرنا أن نخرج من احتلال لنجد أنفسنا في انتظار احتلال آخر؟ ولماذا كانت أنظار قوى العالم دائمًا تتجه إلى فكرة القومية العربية، سعيًا إلى كسرها؟
الإجابة لا تحتاج إلى شعارات، بل تحتاج إلى العلم، والعلم نور.
أولًا: ماذا كان الاحتلال القديم؟
كان الاحتلال القديم واضحًا ومباشرًا؛ جندي إنجليزي يقف على أبواب الأزهر، وضابط فرنسي يحكم الجزائر، وخريطة تقسم المنطقة بين بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سايكس بيكو.
وانتهى هذا الاحتلال بفضل دماء جيل عبد الناصر وأجيال التحرر في مختلف العواصم العربية. وكان سلاح ذلك الجيل هو القومية العربية، أي فكرة أن الأمة الممتدة من المحيط إلى الخليج أمة واحدة، لها لغة واحدة، ودين واحد، ومصير واحد.
لكن كيف تريد إسرائيل أن تنسب المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج إلى نفسها، من خلال مختلف الأساليب المشبوهة، إذا لم يكن هدفها تفكيك القومية العربية بشتى الطرق والوسائل غير المشروعة؟
إن القومية العربية، حين تمتلك جميع الأدوات اللازمة، تستطيع أن تتحدى أعداءها.
لقد كانت فكرة القومية العربية مرعبة للعالم كله في ذلك الوقت. لماذا؟ لأن أمة بهذا الحجم تمتلك نحو 60% من احتياطيات النفط العالمية، وتتحكم في ممرات استراتيجية، مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، وتضم مئات الملايين من السكان، بينهم ملايين الشباب. ولو توحدت هذه الأمة، لأصبحت قوة عالمية كبرى، وربما القوة الثالثة في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
ومن هنا، يرى هذا الطرح أن هناك توجهًا دوليًا غير معلن لمنع هذه الأمة من التوحد.
ثانيًا: كيف تم كسر القومية العربية؟ ثلاثة أسلحة قديمة لا تزال تعمل حتى اليوم
السلاح الأول: تفتيت الداخل
لم تمت القومية العربية على أيدي إسرائيل والولايات المتحدة وحدهما، بل أسهمنا نحن أيضًا في إضعافها. فقد تحولت من مشروع للوحدة إلى صراع على الزعامة: من يقود العرب؟ القاهرة أم بغداد أم دمشق؟
ثم وقعنا في فخ الطائفية والصراعات المذهبية بين السنة والشيعة، وصولًا إلى الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات واستنزفت قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، ثم حرب الخليج.
وكلما اقتربنا من الوحدة، وجدنا أنفسنا أمام صراعات وحروب عربية أو فارسية تستنزف مقدرات المنطقة وتعمق انقساماتها.
السلاح الثاني: الاقتصاد بديلًا عن الدبابة
كان الاحتلال القديم ينهب القطن والقمح من الأرض، أما الاحتلال الحديث فقد اكتشف أنه لا يحتاج إلى سرقة الموارد مباشرة، بل يكفي أن يجعل الدول عاجزة عن الزراعة والتصنيع.
أن تظل الدولة مديونة، وتستورد قمحها من روسيا أو الولايات المتحدة أو أوكرانيا، وسلاحها من الولايات المتحدة، ودواءها من أوروبا؛ عندها تصبح قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة محدودة.
فالاستقلال الحقيقي لا يعني مجرد خروج جندي أجنبي من قاعدة عسكرية، بل يعني أيضًا الخروج من التبعية الاقتصادية.
وهنا، بحسب هذا الطرح، تعثرت دول عربية عديدة، ومنها مصر، التي ارتبط تاريخها بمحاولات بناء قاعدة زراعية وصناعية قوية، لا سيما في عهد محمد علي، الذي سعى إلى تطوير الزراعة والتصنيع وتعزيز مكانة البلاد الاقتصادية.
السلاح الثالث: إسرائيل شوكة في قلب الأمة
إن قيام إسرائيل في فلسطين، وفق هذا الطرح، لم يكن مرتبطًا بمشروع ديني فحسب، بل ارتبط أيضًا بمشروع استراتيجي لفصل المشرق العربي عن مغربه.
فوجود إسرائيل يفرض واقعًا جيوسياسيًا معقدًا على المنطقة، ويجعل أي مشروع للتعاون العسكري أو الوحدة الاستراتيجية بين مصر وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية أكثر تعقيدًا، كما يجعل أي تحرك عسكري عربي عرضة لحسابات دولية، في ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل.
ويرى هذا الطرح أن ذلك يفسر جانبًا من الضغوط التي تعرضت لها دول عربية عندما سعت إلى تطوير قدراتها العسكرية وتصنيع أسلحة متقدمة.
ثالثًا: ما الاحتلال الجديد الذي نعيشه الآن؟
نحن، وفق هذا التصور، لا نواجه شكلًا واحدًا من أشكال الهيمنة، بل ثلاثة أشكال تتخذ ثوبًا جديدًا.
1. السيطرة على البحار والمضائق
لم تعد السيطرة على الدول تقتصر على احتلال عواصمها، مثل القاهرة وبغداد، بل أصبحت السيطرة على الممرات البحرية والقواعد العسكرية المحيطة بها عنصرًا أساسيًا في موازين القوة.
فالوجود العسكري الأمريكي في البحر الأحمر والقواعد العسكرية في الخليج، إلى جانب التنافس على مضيق هرمز وباب المندب، يعكس أهمية هذه الممرات في الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية.
ومن يتحكم في هذه الممرات يمتلك ورقة ضغط مؤثرة في حركة التجارة وإمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، بما ينعكس على حياة المواطنين في مصر ودول الخليج وغيرها.
ولذلك، عندما تتعرض غزة للحرب وتتأثر حركة الملاحة في البحر الأحمر، قد يتضرر اقتصاد قناة السويس، وعندما تتعطل الملاحة في باب المندب، ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وقد تنعكس آثار ذلك على أسعار السلع في دول المنطقة والعالم.
2. السيطرة على الوعي والإعلام
هذا هو أحد أخطر أشكال الهيمنة الحديثة؛ إذ لم يعد الأمر يتطلب إرسال جندي إلى أرضك، بل قد يكفي نشر أخبار مضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك، لإثارة الشكوك وزرع الانقسامات بين المواطنين ومؤسسات دولهم.
وقد يسهم التضليل الإعلامي في دفع الناس إلى كراهية بعضهم بعضًا، والتشكيك في أوطانهم، وتصوير جميع الحكام باعتبارهم خونة، دون تمييز أو أدلة.
وبذلك، قد يتحول الأخ العربي إلى خصم في نظر أخيه، بدلًا من توجيه الاهتمام إلى المصالح المشتركة والتحديات الحقيقية التي تواجه المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز عناوين من قبيل «مصر خانت القضية» بوصفها مثالًا على الخطاب الذي قد يؤدي، إذا افتقر إلى الأدلة والسياق، إلى تأجيج الخلافات بين القاهرة والدول العربية الأخرى.
3. التأثير في القرار عبر الديون والتكنولوجيا
قد تؤدي الديون والاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية وأنظمة الاتصالات والمدفوعات الدولية والتسليح الخارجي إلى تقييد هامش الحركة أمام الدول.
فقد يضطر صانع القرار إلى مراعاة آثار أي قرار سياسي أو عسكري على الاقتصاد، وتدفقات التمويل، والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، وإمكانية الوصول إلى الأنظمة التقنية وقطع الغيار والأسلحة.
وهذه، وفق هذا التصور، صورة من صور الوصاية الحديثة، التي لا تعتمد بالضرورة على الاحتلال العسكري المباشر، بل على أدوات اقتصادية وتقنية واستراتيجية قد تحد من استقلالية القرار الوطني.
رابعًا: ما الحل؟ ثوابت قديمة وأخرى حديثة
العلم نور، والتاريخ يعلمنا أن الأمم تضعف عندما تنسى ثوابتها، وتفقد قدرتها على التعامل مع التحديات التي تواجهها.
الثوابت القديمة التي يجب أن نعود إليها
1. وحدة المصير
إن أمن القاهرة يرتبط بأمن الرياض وبغداد والخرطوم، وكذلك بأمن الدول التي تواجه تهديدات الاحتلال الأجنبي والتدخلات الخارجية.
وهذه ليست مجرد شعارات، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة. فاستقرار السودان يرتبط بالأمن المائي والاقتصادي لمصر، كما أن استقرار دول الخليج يؤثر في اقتصادات المنطقة وأمن الطاقة والتجارة وفرص العمل.
وقد أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات مختلفة أهمية الترابط بين الأمن القومي المصري وأمن الدول العربية.
فالمصير المشترك يفرض التعاون والتنسيق، شئنا أم أبينا.
2. التعليم والتصنيع هما طريق التحرير
لم يسعَ محمد علي إلى بناء قوة مصر من خلال الخطب وحدها، بل عمل على إنشاء المصانع وتطوير التعليم والمؤسسات العسكرية.
ولن يتحقق التحرر من التبعية الحديثة إلا إذا امتلكت الدول العربية القدرة على إنتاج ما تحتاج إليه من سلاح ودواء وغذاء، ووسعت استثماراتها في البحث العلمي والتكنولوجيا والتعليم.
فالدولة التي تمتلك المعرفة والإنتاج تستطيع أن تحمي مصالحها، وتقلل اعتمادها على الآخرين، وتعزز قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.
الثوابت الحديثة التي يجب أن نؤمن بها
1. لا حليف دائم ولا عدو دائم؛ بل مصالح دائمة
هل تحمي الولايات المتحدة دول الخليج من دون مقابل سياسي أو اقتصادي؟ وهل تظل التحالفات الدولية ثابتة مهما تغيرت الظروف؟
قد تتغير أولويات الدول الكبرى وفقًا لمصالحها، وقد تتخذ قرارات بشأن نقل منظومات دفاعية أو إعادة توزيع القوات بما يتوافق مع حساباتها الاستراتيجية.
وقد تثار تساؤلات بشأن تقارير تتحدث عن سحب بطاريات باتريوت من السعودية وقطر أو إعادة نشرها في إسرائيل، وهو ما يستدعي التحقق من تفاصيل هذه التقارير وتوقيتها قبل التعامل معها باعتبارها حقائق مؤكدة.
كذلك، فإن الموقف الروسي من سوريا، في ظل انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، يطرح تساؤلات بشأن حدود الاعتماد على القوى الخارجية.
والدرس هنا أن الدول لا تستطيع أن تبني أمنها على التعهدات الخارجية وحدها، بل عليها أن تعزز قدراتها الذاتية، وتطور جيوشها، وتبني شراكات متوازنة تحمي مصالحها.
2. القومية الجديدة ليست شعارات، بل مصالح مشتركة
لسنا بحاجة إلى مشروع يذيب الحدود ويؤدي إلى إنشاء دولة واحدة دون مراعاة اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية، بل نحتاج إلى صيغة واقعية من التعاون العربي تقوم على المصالح المشتركة.
نحتاج إلى مشروعات عربية مشتركة، مثل إنشاء مصانع لإنتاج الأسلحة بمشاركة مصر والسعودية والإمارات ودول عربية أخرى، وإقامة مشروعات زراعية مصرية سودانية، وتطوير قدرات بحرية عربية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا.
كما نحتاج إلى توسيع التجارة البينية، وتبادل الخبرات، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، وتطوير سلاسل إمداد عربية تقلل الاعتماد على الخارج.
هذه هي القومية القائمة على المصالح، التي يمكن أن تمنح الدول العربية وزنًا أكبر في النظام الدولي.
3. الحرب القادمة ليست دبابة ضد دبابة، بل رواية ضد رواية
لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لحسم الصراعات؛ فالإعلام والمعلومات والتكنولوجيا أصبحت عناصر مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه المواقف السياسية.
ومن يملك القدرة على إيصال روايته إلى العالم، مدعومة بالمعلومات الموثوقة والأدلة، يمتلك أداة مهمة للتأثير في العقول وصناعة المواقف.
لذلك، يجب أن نطور إعلامنا العربي، ونعزز حضورنا على المنصات الرقمية، ونمتلك أدوات إنتاج المعرفة والمعلومات، حتى نروي قصتنا بأصواتنا، لا أن نكتفي بتلقيها كما يقدمها الآخرون.
إن قدر المصريين ليس أن يخرجوا من احتلال ليقعوا في احتلال آخر، بل أن يسعوا إلى بناء دولة مستقلة تمتلك قوتها الاقتصادية والعلمية والسياسية.
فمصر تمثل ركيزة أساسية في محيطها العربي، وأي تقدم تحققه ينعكس على فرص التعاون والاستقرار في المنطقة، كما أن ما تتعرض له من أزمات يترك آثاره على محيطها الإقليمي.
ولهذا، تتجه الأنظار إلى مصر، ليس بالضرورة لأنها وحدها القادرة على النهوض بالأمة، بل لأن موقعها وثقلها السكاني والاقتصادي والثقافي يجعلها عنصرًا مؤثرًا في مستقبل العالم العربي.
إن تحررنا الأول تمثل في خروج الجندي الأجنبي، أما التحرر الثاني، الذي نحن في أمس الحاجة إليه اليوم، فهو الخروج من التبعية والجهل والفرقة.
وهذا التحرر لن يتحقق بالاعتماد على الولايات المتحدة أو روسيا أو غيرهما وحدها، بل يبدأ بمصنع في حلوان، وحقل قمح في توشكى، ومدرسة في كل قرية، وجامعة تنتج المعرفة، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وكلمة صادقة تجمع ولا تفرق.
فالقوة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعلم والعمل والإنتاج والتعاون، وبالقدرة على تحويل المصالح العربية المشتركة إلى مشروعات وإنجازات ملموسة.
