معالجة مشكلة الباحثين عن عمل.. بين عسكرة التشغيل وقدرات السوق

 

 

 

محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي **

 

 

من إدارة التعيينات إلى بناء القدرة على التشغيل

تُمثِّل مُعالجة مشكلة الباحثين عن عمل مسؤولية وطنية تتصل بالدخل والاستقرار وكرامة الإنسان. غير أنَّ إلحاح المشكلة لا يجعل كل وسيلة لمُعالجتها فعّالة، ولا يحوّل قرار التعيين، بمجرد صدوره، إلى وظيفة منتجة ومستدامة؛ فالوظيفة تحتاج إلى نشاط اقتصادي يُبرر وجودها، وإيراد يمول أجرها، ومهارة تُتيح لصاحبها الاستمرار والتقدم.

وفي امتداد للمقالين السابقين حول جودة القرار الاقتصادي وتكامل السياسات، أتناولُ هنا سوق العمل بوصفه أحد المجالات التي تظهر فيه نتائج القرارات المُتفرقة بصورة مباشرة. فقد تستهدف جهة زيادة التشغيل، بينما ترفع إجراءات جهة أخرى تكلفة النشاط أو تُعطِّل توسُّعه؛ فتظل المنشأة مطالبة بالتوظيف، مع إضعاف قدرتها على الوفاء بهذا الالتزام.

وهذا النقاش له جذور في أعمال الجمعية الاقتصادية العُمانية، ومنها «عُمان التي نريد: الدليل الوطني للتنمية»، وورقة «سياسات العمل والتنمية المستدامة» المعدة للمؤتمر السابع في 2014. فقد ربطت هذه الأعمال مشكلة التشغيل بطبيعة النمو والاستثمار، وبالحاجة إلى الانتقال من الاعتماد على الريع إلى بناء القدرات الإنتاجية الوطنية. وتبقى هذه الفكرة جديرة بالمراجعة اليوم، مع تحديث البيانات واختبار النتائج في ضوء المتغيرات اللاحقة.

عسكرة التشغيل وحدود الإلزام

أقصدُ بعسكرة التشغيل غلبة منطق الأوامر والنسب والتفتيش والعقوبات على سياسة يفترض أن تبني قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف. فعندما تصبح الاستجابة الأساسية لمشكلة الباحثين عن عمل هي مطالبة المنشآت بالمزيد من التعيينات، دون مُعالجة الطلب والتمويل والمهارات والإنتاجية، نكون قد نقلنا المشكلة إلى المنشأة دون استكمال مقومات حلها.

للدولة مسؤولية في حماية العامل وضمان عدالة الفرص ومساءلة المخالف. لكن القرار الإداري لا يخلق زبونًا للمنشأة، ولا يحصّل مستحقاتها، ولا يوفر لها المهارة المطلوبة. وقد يُحقق تعيينًا عاجلًا، لكنه لا يضمن استمرار الوظيفة إذا بقي النشاط عاجزًا عن تغطية تكلفتها.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى مرونة السوق إلى تبرير لإدامة أعمال منخفضة الأجر والمهارة، أو إعفاء المنشآت من التدريب وتحسين ظروف العمل. فالسوق المطلوب تمكينه هو سوق منتج وتنافسي، تتحمل فيه المنشأة مسؤوليتها عن تطوير العامل، وتتيح فيه السياسات العامة فرصًا عادلة للنمو.

تفاصيل إجرائية تكشف خللًا اقتصاديًا

قد تبدو بعض الحالات محدودة الأهمية عند النظر إليها منفردة، لكن معناها يتَّضح حين نبيّن ما يحدث داخل المنشأة.

فحين تكون لدى شركة مُعاملات قليلة، ويُطلب منها تعيين مندوب مستقل رغم إمكان متابعة معاملاتها بواسطة موظف مفوض في شركات شقيقة، تصبح تكلفة الوظيفة مرتبطة بتعدد السجلات أكثر من ارتباطها بحجم العمل. وحين تتوافر مهارة لدى منشأة انخفض نشاطها، بينما تحتاج إليها منشأة أخرى، فإن تعقيد انتقالها قد يدفع إلى استقدام عامل جديد مع بقاء قدرة موجودة دون استغلال كافٍ.

وحين تحتاج منشأة إلى خدمة لساعات أو لمهمة محددة، ثم يصعب تنظيمها إلا في صورة وظيفة كاملة، فقد تتخلى عن الخدمة وتضيع فرصة دخل كان يُمكن إتاحتها. وحين تُستبعد خبرة بالعمر وحده، دون تقدير الكفاءة وطبيعة المهنة، قد تضيع معها فرصة لتدريب المواطنين ونقل المعرفة.

وتظهر نماذج أخرى حين يؤدي الحظر المهني إلى تغيير المسمى المسجل دون تغيير العمل الفعلي، أو حين تتحقق نسبة التعمين بتوظيف شكلي، أو يُحتسب دعم الراتب تدريبًا دون تحقق من اكتساب مهارة. كما يظهر الخلل حين يمتد تعطيل المعاملات إلى شركات أخرى بسبب مفوض مشترك، فيتأثر عمال وموردون لا صلة لهم بالمخالفة الأصلية.

وتشمل الصورة كذلك تراكم الرسوم والتكاليف، وتأخر المستحقات، وصعوبة التمويل، وتجميع الأعمال في عقود كبيرة تجمع عددا كبيرا من المشاريع تمنح لشركات أجنبية تحدّ من فرص المنشآت الصغيرة على المشاركة، وربما تدفع بعضها إلى الخروج من السوق كما هو الحال مع بعض مشاريع شركة تنمية نفط عُمان. كما تشمل في حالات أخرى منح أفضلية في التعاقد لشركات حكومية بما يُضيِّق فرص مشاركة المنشآت الأخرى، والإحلال في مهنة دون تقدير أثره في الأنشطة المرتبطة بها، واستمرار الاعتماد على كثرة العمالة منخفضة الأجر بدل رفع كفاءتها وتطوير وسائل الإنتاج، وصدور قرارات من جهات مختلفة يحدّ بعضها من قدرة المنشآت على تحقيق أهداف الاستثمار والتشغيل التي تسعى إليها جهات أخرى.

هذه حالات وموضوعات للمراجعة، تختلف في ثبوتها ونطاق تطبيقها، ولا يصح افتراض عمومها. غير أن الرابط بينها واضح: تنظيم جزء من النشاط دون حساب أثر القرار في النشاط كله. وعند تكرار هذه التفاصيل عبر منشآت وقطاعات متعددة، تتحول إلى تكلفة اقتصادية تمس الاستثمار والإنتاج والأجور وفرص العمل.

التنظيم المشروع والتدخل الذي يحتاج إلى مراجعة

ليست كل تكلفة تنظيمية تشوهًا؛ فالتشغيل وحماية الأجور والسلامة والتأهيل تستهدف مصالح عامة مشروعة. كما أن رفض صاحب العمل لإجراء لا يثبت وحده ضرره، وإنما يستحق الإجراء المراجعة عندما لا تلائم وسيلته غرضه، أو تتجاوز تكلفته منفعته، أو يتوافر بديل يحقق الحماية بكلفة أقل.

ومن هنا تأتي ضرورة تبسيط القواعد المنظمة للعمل والحد من التدخل الحكومي غير الضروري في التفاصيل التشغيلية للمنشآت، وإتاحة مساحة أوسع لاتفاق العامل وصاحب العمل. وينبغي أن يركز التفتيش على حماية الأجور والسلامة ومواجهة الاستغلال والتحايل والمخالفات المؤثرة، وأن تخضع الاشتراطات التي يتولى إنفاذها لاختبار ضرورتها وتناسبها مع غرضها؛ فلا يتحول إلى وسيلة لتقييد نشاط يُفترض أن يقوم تنظيمه على إتاحة الممارسة وتيسيرها، ما دامت حقوق العامل ومتطلبات السلامة مصونة.

هل كل عامل وافد يقابله عمل متاح لمُواطن؟

ينبغي اختبار الافتراض الذي يُساوي بين خفض عدد الوافدين وتوفير العدد نفسه من الوظائف للمواطنين. فقد تكون العلاقة إحلالية في بعض المهن، بحيث يستطيع مواطن مؤهل شغل وظيفة قائمة، وقد تكون تكاملية في أنشطة أخرى، بحيث يسهم فريق يضم مهارات مختلفة في تشغيل المشروع وفتح وظائف إضافية للمواطنين.

فوجود فني متخصص، على سبيل المثال، قد يساعد مصنعًا على زيادة إنتاجه، ويولد احتياجًا إلى موظفين في المبيعات والإدارة والخدمات. وفي المقابل، قد يضعف الاعتماد المستمر على عمالة رخيصة حافز المنشأة إلى تطوير التقنية وتدريب المواطنين. ويتوقف الأثر على نوع المهارة والنشاط والحوافز، لا على الجنسية وحدها.

وقد نبهت ورقة «سياسات العمل والتنمية المستدامة» إلى ارتباط العمالة الوافدة بالإنتاج والطلب والاستهلاك، وإلى ضرورة دراسة آثار تقليصها ضمن سيناريوهات تراعي تفاعلات الاقتصاد.

والمطلوب دراسة حديثة تحدد القطاعات والمهن التي تنجح فيها سياسات الإحلال، وتلك التي يؤدي فيها تكامل المهارات إلى توسيع فرص المواطنين. وحتى إذا ارتفع تشغيل الفئتين معًا، فقد يكون التوسع الاقتصادي سببًا مشتركًا، ولا يعني ذلك تلقائيًا أن زيادة إحداهما سببت زيادة الأخرى. وعلى هذا الأساس تُبنى السياسة بالقياس، وتُحدد مراحلها وفق القدرة الفعلية على التأهيل والإحلال والنمو.

زيادة التعمين لا تعني تلقائيًا زيادة الإنتاج

قد ترتفع نسبة التعمين بسبب تعيين مواطنين، أو خروج وافدين، أو انكماش إجمالي العمالة، دون أن يرتفع الإنتاج. وقد يزيد عدد العاملين بينما يبقى حجم النشاط ثابتًا، فتتراجع إنتاجية العامل وترتفع التكلفة إذا لم يصاحب التعيين تحسن في الأداء.

وللإحلال قيمة في توسيع مشاركة المواطنين في العمل والدخل والخبرة، لكنه يختلف عن خلق إنتاج إضافي. لذلك لا تعني زيادة التشغيل أو نسب التعمين، بذاتها، زيادة الناتج القومي أو تحسن كفاءة الاقتصاد.

وينبغي أن تتكامل مؤشرات العدد مع الأجور والإنتاجية والاستمرار والترقي. كما يستحق قياس حصة العُمانيين من إجمالي الأجور الاختبار، وليس بالضرورة أن يُستخدم منفردًا؛ فقد تتحقق حصة مرتفعة بتعيين عدد محدود بأجور عالية دون توسيع فرص بقية الباحثين عن عمل.

فالهدف هو زيادة المشاركة الوطنية الفعلية في إنتاج الثروة والاستفادة منها، مع بناء وظائف تستطيع المنشأة المحافظة عليها وتحسين أجورها.

سياسة وطنية لتنمية المهارات

تحتاج مُعالجة التشغيل إلى سياسة وطنية لتنمية المهارات، تتجاوز تعدد برامج التدريب ومبادرات دعم الأجور. وتبدأ هذه السياسة بتحديد المهن والمهارات المطلوبة، وربطها بالاستثمارات والقطاعات المستهدفة، ثم توزيع مسؤوليات التنفيذ والتمويل والتقييم بين الجهات والمنشآت ومؤسسات التدريب.

وقد نصت المادة 20 من قانون العمل على إصدار لائحة لتدريب العُمانيين، ونصت المادة 21 على إنشاء صندوق لتنمية الموارد البشرية الوطنية لتمويل برامج وسياسات التشغيل والتأهيل والتمكين للعاملين في القطاع الخاص. ويوفر النصان أساسًا لبناء منظومة متكاملة تربط تنمية المهارات بفرص العمل واحتياجات الاقتصاد.

وبعد أكثر من 3 سنوات على صدور قانون العمل في 2023، تبرز ضرورة بيان ما أُنجز في تنفيذ هذين النصين واستكمال متطلباتهما، وتفعيل صندوق تنمية الموارد البشرية الوطنية ليكون أداة تمويل مستدامة لهذه المنظومة، مع تجنب استحداث أدوات تمويل موازية تتداخل معه في الاختصاصات. ويقتضي ذلك توضيح وضع نظامه ومصادر تمويله وقواعد عمله، وتحديد برامجه ومؤشرات أدائه، بما يضمن توجيه موارده إلى تنمية المهارات المطلوبة ورفع الإنتاجية واستدامة الوظائف. فلا يقتصر أثر التمويل على دعم الأجور والتعيينات المؤقتة، بل يمتد إلى بناء قدرات مهنية تتيح للعامل الاستمرار والتقدم بعد انتهاء الدعم، وتعزز قدرة المنشأة على تمويل الوظيفة من إيرادات نشاطها.

ويتطلب ذلك برامج تدريب ذات محتوى مهني واضح يرتبط باحتياجات القطاعات الاقتصادية، تجمع بين التعلم والممارسة العملية وتقييم الكفاءة، وتُكسب العامل مهارات ومؤهلات مهنية معترفًا بها دوليًا. وينبغي أن تشمل هذه البرامج العاملين الموجودين، إلى جانب الباحثين عن عمل، لتحديث مهاراتهم وإعدادهم لوظائف أعلى مهارة ودخلًا، بما يواكب التطور التقني واحتياجات المنشآت.

الاستثمار الذي يُولِّد طلبًا على الكفاءة الوطنية

وقد تناولت أعمال الجمعية الاقتصادية العُمانية المشار إليها، جانبًا آخر من المشكلة: طبيعة الطلب الذي يولّده الاقتصاد على العمل. والمقصود أن فرص المواطنين تتأثر بنوع المشروعات التي تستقطب الاستثمار، وبالمهن والمهارات التي تحتاج إليها. فإذا انصرف الاستثمار إلى أنشطة تعتمد على عمالة منخفضة الأجر والمهارة، ظل الطلب على الكفاءات الوطنية محدودًا مهما توسع التعليم والتدريب. ومن هنا تأتي أسئلة أساسية: ما الأنشطة التي نوجه إليها الاستثمار؟ وما الوظائف التي تنتجها؟ وهل تتيح توظيف المهارات التي نسعى إلى بنائها؟ فمواءمة التعليم مع السوق تحتاج أيضًا إلى تطوير نموذج الأعمال الذي يشكل احتياجات هذا السوق.

وتقوم النظرة الاقتصادية المبسطة للنمو على تفاعل العمل ورأس المال والتقدم التقني. فسوق العمل ينظم استخدام القدرات البشرية، والاستثمار يوفّر المعدات والتمويل، والتقنية والإدارة ترفعان كفاءة الجمع بينهما. ولا يمكن إصلاح أحد هذه الجوانب بمعزل عن الآخرين.

لذلك ينبغي أن ترتبط حوافز الاستثمار بتطوير المهارات، ونقل المعرفة، وتنمية الموردين المحليين، وزيادة القيمة المضافة. كما ينبغي تيسير وصول المنشآت إلى التمويل والأسواق، وتسريع سداد المستحقات، وتحسين تصميم المشتريات، ومراجعة الأعباء المتراكمة التي تحد من التوسع.

كيف يتجاوز أثر القرار المهنة المستهدفة؟

لتوضيح أثر القرارات في سلسلة الإنتاج، يمكن النظر إلى مثال نقل المنتجات الزراعية والغذائية. فالمزارع يحتاج إلى نقل المحصول في الوقت المناسب، والمصنع يحتاج إلى انتظام وصول المواد، والمتجر يحتاج إلى استمرار التوريد.

إذا طُبق إحلال السائقين دون توافر بدائل مؤهلة بالعدد المطلوب، فقد تتأخر الشحنات أو ترتفع تكلفة النقل. وقد يضطر المزارع إلى تقليص الإنتاج، أو يتحمل المصنع تكلفة إضافية، أو يرتفع السعر على المستهلك. وعندئذ قد تتحقق وظائف في النقل، بينما تتراجع فرص في الزراعة والتعبئة والبيع.

هذا مثال توضيحي لاحتمال اقتصادي يمكن أن يظهر في قطاعات مختلفة بحسب طبيعة الروابط بينها، وليس تقديرًا لأثر ثبت وقوعه بحجم معين. والغرض منه بيان أن نجاح القرار يُقاس بصافي أثره في الأنشطة المرتبطة، مع تدريب البدائل والتدرج في التنفيذ وتحسين تنظيم الخدمة. وينطبق المنطق نفسه على الرسوم والتراخيص والحظر وتعطيل المعاملات.

حين تعقّد الإجراءات الحلول التي يتيحها القانون

تظهر مشكلة الحوكمة عندما يتيح القانون حلًا منظمًا، ثم تضيق الإجراءات مجال الانتفاع به من خلال اشتراطات متتابعة وتفسيرات متباينة وموافقات غير محددة المدة. وقد يظل الحل متاحًا نظريًا، بينما يصبح استخدامه عمليًا مكلفًا أو غير مجدٍ.

ومن الأمثلة الانتقال للقوى العاملة غير العُمانية بين منشآت القطاع الخاص؛ فقد نظم قانون العمل في المادتين 29 و30 إمكان العمل لدى منشأة أخرى وفق الترخيص والضوابط، ثم جاء القرار الوزاري 730/2024 بشروط منها: مضي 6 أشهر على عمل العامل في المنشأة الأصلية، وبقاء 6 أشهر على الأقل في تصريحه، وألا تتجاوز مدة الانتقال 6 أشهر في العام. كما اشترط التزام المنشأتين بنسب التعمين، وعدم إيقاف خدماتهما أو وجود التزامات مالية عليهما لدى الوزارة، وحدد سقف المنقولين من المنشأة وإليها بنسبة 50% من العمال المسجلين لدى كل منهما.

وهكذا قد يتعذر نقل عامل تحتاج إليه منشأة لشهر واحد، رغم مُوافقته وموافقة صاحب عمله، لمجرد أنَّ المتبقي في تصريحه 5 أشهر؛ أو تتعطل الاستفادة من عمالة فائضة بسبب التزام مالي على إحدى المنشأتين. وهذه أمثلة توضيحية لأثر الشروط، تطرح سؤالًا عن تناسبها مع غرض الانتقال. فحماية الأجر والحقوق وموافقة العامل ضمانات ضرورية، لكن جمعها مع قيود زمنية ونسبية ومالية قد يضيّق الحل الذي أتاحه القانون.

ولا تكفي رقمنة هذه الإجراءات إذا انتقلت التعقيدات نفسها إلى شاشة إلكترونية. فالمطلوب مراجعة ضرورة كل شرط، وسنده، وتناسبه وأثره الاقتصادي، وتحديد المسؤول عن إنجاز الخدمة كاملة، مع نشر المتطلبات وأسباب الرفض ومواعيد البت؛ حتى تخدم الإجراءات المرونة التي يتيحها القانون.

وقد جعلت رؤية عُمان 2040 الحوكمة والأداء المؤسسي محورًا رئيسيًا، وأدرجت حوكمة الجهاز الإداري والموارد والمشاريع ضمن أولوياتها. ومن ثم فإن أي قصور في حوكمة سوق العمل يمس تنفيذ ركيزة من ركائز الرؤية، ويتجاوز حدود المعاملة الفردية إلى قدرة الاقتصاد على تحقيق أهدافه.

وتقتضي الحوكمة أيضًا مراجعة مستقلة وظيفيًا للتظلمات، وتقييمًا مشتركًا للقرارات ذات الأثر الاقتصادي. فالقوانين والإجراءات ينبغي أن تعمل في اتجاه متسق، وأن يكون تصحيح القرار استجابة للأدلة جزءًا طبيعيًا من مسؤولية الإدارة.

من التهديد بالعقوبة إلى الحوافز التي تُغيِّر السلوك

ينبغي أن ترتبط الحوافز بنتائج موثقة في تدريب المواطن وتوظيفه والاحتفاظ به، وأن يُقاس استحقاقها بما يتحقق من اكتساب المهارات وتحسن الأداء واستمرار الوظائف. وبهذا يصبح دعم المنشأة مرتبطًا بمساهمتها الفعلية في تحقيق أهداف التشغيل.

وتظل العقوبات لازمة لمواجهة المخالفات، على أن تخضع أدوات السياسة نفسها للتقييم والمراجعة؛ فتكرار الوسيلة دون تغيير أسباب التعثر لا يمنحنا أساسًا لتوقع نتيجة مختلفة.

كما تحتاج السياسة إلى حوار فعّال بين الحكومة وأصحاب العمل والعاملين، وإلى حماية مناسبة للباحثين عن عمل خلال الانتقال، وخدمات توجيه وتأهيل ومواءمة تساعدهم على الوصول إلى الفرص.

النجاح فيما يبقى بعد التعيين

يمتد قياس النجاح إلى ما بعد التعيين، من خلال متابعة الوظائف بعد 12 و24 شهرًا، وما اكتسبه شاغلوها من مهارات، ومقارنة نتائجها وتكلفة دعمها بالأهداف وبالبدائل الممكنة، وقياس أثرها في بقية المنشآت والقطاعات. فبهذه المتابعة يتضح ما إذا كانت السياسة تبني قدرة مستدامة أم تحقق تحسنًا قصير الأجل في الأرقام.

من إجراءات التشغيل إلى سياسات الدولة

إنَّ معالجة مشكلة الباحثين عن عمل من خلال إجراءات وزارة العمل وحدها ستظل، ما لم ترتبط بإصلاح اقتصادي ومؤسسي أشمل، أقرب إلى معالجات ترقيعية تخفف الضغط مؤقتًا دون أن تعالج أسبابه؛ فمفتاح التشغيل ليس في إجراءات وزارة العمل، ولا ينبغي أن يُختزل فيها، وإنما في قدرة الاقتصاد على توليد أنشطة منتجة تحتاج إلى العمالة وتستطيع تمويل أجورها واستدامة وظائفها.

ومن ثم، تتطلب استدامة التشغيل تكامل السياسات وإزالة عوائق الإنتاج والتوسع، ضمن مسؤولية حكومية مشتركة، تؤدي فيها وزارة العمل دورها في تنظيم السوق وحماية الحقوق وتنمية المهارات، دون أن تُحمَّل وحدها مسؤولية إيجاد فرص العمل.

ويبدأ هذا التحول بالانتقال من سياسات الوزير إلى سياسات الدولة؛ أي من توجهات يرتبط استمرارها ببقاء المسؤول ودفاعه عنها، إلى سياسات وطنية معتمدة، واضحة الأهداف، تتولى كل وزارة تنفيذ نصيبها منها وفق مؤشرات مُحددة ومُعلنة. ويكون الوزير مسؤولًا أساساً عن النتائج وتصحيح مسار التنفيذ، فيما تخضع مراجعة السياسات للأدلة وتقييم الأثر والإجراءات المؤسسية، فلا تتبدل الأولويات لمجرد تغير الأشخاص، ولا تبدأ كل إدارة من جديد وتمسح الذاكرة المعرفية التراكمية للوزارة.

وهذا هو جوهر التوجه الذي يتضمنه مقترح تعديل قانون التنمية الاقتصادية إلى قانون للتخطيط التنموي الذي اعتمده مجلس الدولة في سنة 2019، وما زال مسار استكماله يستحق الإفصاح والمساءلة؛ إذ يتضمن المقترح اعتبار السياسات التنموية سياسات دولة، وربطها بمعايير قابلة للقياس، وتحميل رئيس الوحدة الحكومية المسؤولية المباشرة عن تحقيق أهدافها، مع فصل المتابعة والتقييم عن جهة التخطيط. وهي مبادئ تجعل الخطة الوطنية إطارًا ملزمًا لعمل الوزارات، وتربط الصلاحيات بمسؤولية واضحة عن النتائج.

وإلى حين معالجة الإشكال الأوسع المتعلق بكيفية تنفيذ سياسات الدولة وتكاملها، يمكن البدء بمراجعة تنظيمية تحدّ من تدخل وزارة العمل في التفاصيل التشغيلية والعلاقات التعاقدية داخل منشآت القطاع الخاص، وتتيح لأصحاب العمل والعاملين مساحة أوسع لتنظيم العمل بالاتفاق بينهم. وتشمل هذه المراجعة تيسير انتقال العامل الوافد بين المنشآت متى كان وجوده في السلطنة مشروعًا وبطاقة عمله سارية، بناءً على إرادته واتفاق الأطراف المعنية، دون الإخلال بالحقوق والالتزامات التعاقدية. وتبقى الوزارة مسؤولة عن الرقابة الوقائية والتحقيق في الشكاوى وإنفاذ القانون ضمن قواعد واضحة تصون الحقوق والسلامة، دون أن تحل محل المنشآت في إدارة مواردها البشرية أو تفرض عليها ترتيبات تشغيلية لإيجاد وظائف لا تستند إلى حاجة اقتصادية حقيقية.

والوظيفة التي تستحق أن تكون معيار النجاح هي التي تضيف إلى الإنتاج، وتمنح صاحبها دخلًا وخبرة وفرصة للتقدم، وتستطيع الاستمرار بعد انتهاء حملة التوظيف أو برنامج الدعم.

** رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الدولة- سابقًا

رئيس الجمعية الاقتصادية العُمانية- سابقًا

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z