عبيدلي العبيدلي **
يتداخل الاقتصاد الفضي مع مفاهيم قريبة ينبغي التمييز بينها؛ فـ"اقتصاد طول العمر" (Longevity Economy) مفهوم تتبناه جمعية المتقاعدين الأمريكية ويركز على المساهمة الاقتصادية الكلية لمن تجاوزوا الخمسين. و"العائد الديموغرافي الثاني" الذي صاغه رونالد لي وأندرو ميسون يشير إلى أن من يتوقعون حياة أطول يميلون إلى ادخار أكبر وتراكم رأسمالي أعلى، مما قد يعزز النمو إذا توافرت المؤسسات المالية الملائمة.
ويشهد العالم في القرن الحادي والعشرين تحولًا ديموغرافيًا غير مسبوق في تاريخ البشرية. فوفق منظمة الصحة العالمية سيرتفع عدد من بلغوا الستين فأكثر من نحو مليار نسمة عام 2020 إلى 2.1 مليار نسمة بحلول عام 2050، فيما سيتضاعف عدد من تجاوزوا الثمانين ثلاث مرات تقريبًا ليبلغ نحو 426 مليون نسمة. وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد من بلغوا الخامسة والستين سيفوق عدد من هم دون الثامنة عشرة في أواخر سبعينيات هذا القرن.
وليست المنطقة العربية بمعزل عن هذا التحول، وإن تأخرت عنه زمنيًا. فقد ارتفع عدد كبار السن فيها من 4.5 ملايين نسمة عام 1970 إلى 20.8 مليون نسمة عام 2020، ويتوقع أن يتضاعف ثلاث مرات ليبلغ 71.5 مليون نسمة بحلول عام 2050، مع ارتفاع نسبتهم من أقل من 5% إلى نحو 11% من إجمالي السكان. ويعني ذلك أن المجتمعات العربية ستقطع في ثلاثة عقود ما قطعته المجتمعات الأوروبية في قرن أو أكثر، وهو ما يضاعف كلفة عدم الاستعداد.
وفي مقابل الخطاب التقليدي الذي يرى في الشيخوخة "أزمة" تثقل كاهل أنظمة التقاعد والصحة، برز خطاب اقتصادي مغاير يرى في كبار السن قوة شرائية واستثمارية وإنتاجية هائلة. فقد قدّرت جمعية المتقاعدين الأمريكية (AARP) أن من تجاوزوا الخمسين أسهموا بنحو 45 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي عام 2020، أي قرابة 34% منه، رغم أنهم لم يمثلوا سوى 24% من سكان العالم. ويصف جوزيف كوفلين هذه السوق بأنها "الأسرع نموًا والأكثر سوءًا في الفهم"، لأن الشركات ما تزال تصمم منتجاتها انطلاقًا من صورة نمطية عن العجز لا من حقيقة التطلعات.
وتثير الالتفاتة نحو بناء اقتصاد فضي عربي تنموي مجموعة من التساؤلات المتحدية لعل الأبرز بينها هو: إلى أي حد يمكن للفضاء الاقتصادي العربي أن يحول الشيخوخة السكانية المتسارعة إلى رافعة للنمو والتنمية من خلال بناء اقتصاد فضي متكامل، ينسجم مع المرجعية القيمية الإسلامية التي تجعل إكرام الكبير واجبًا دينيًا واجتماعيًا؟
ويواجه من يتصدى للكتابة الداعية إلى التأسيس لتشييد اقتصاد فضي عربي ندرة الأدبيات العربية التي تتناول الاقتصاد الفضي بوصفه قطاعًا اقتصاديًا لا ملفًا اجتماعيًا فحسب، ومن حاجة صانعي القرار إلى إطار تحليلي يستبق التحول الديموغرافي بدل أن يلاحقه. كما تسعى إلى إبراز التوافق بين روح الاقتصاد الفضي ومقاصد الشريعة الإسلامية التي قررت بر الوالدين والإحسان إلى الكبير، كقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
ولا بد لمن يريد أن يتصدى لإقامة أعمدة اقتصاد فضي عربي راسخ من التوقف عند المفاهيم والبيانات، والمنهج المقارن في دراسة التجارب الدولية والإسلامية، والمنهج الاستشرافي في تحديد الفرص والمتطلبات.
يستمد مصطلح "الاقتصاد الفضي" (Silver Economy) اسمه من لون الشعر الفضي الذي يرمز إلى التقدم في العمر، ويمكن تصنيف تعريفاته في ثلاث اتجاهات رئيسة.
ويعرّف اتجاه الاقتصاد الفضي ذي الاتجاه الاستهلاكي (جانب الطلب) بأنه مجموع الأنشطة الاقتصادية الموجهة لتلبية احتياجات كبار السن من السلع والخدمات. ومن أبرز صياغاته تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي عدّته مجموع الفرص الناشئة عن الإنفاق العام والاستهلاكي المرتبط بشيخوخة السكان وبالاحتياجات الخاصة لمن تجاوزوا الخمسين.
على نحو مواز يشمل التعريف الذي يحصر نفسه في المنهج "الإنفاقي الشامل"، مجموع الأنشطة الاقتصادية التي تخدم احتياجات من بلغوا الخمسين فما فوق، بما فيها المنتجات والخدمات التي يشترونها مباشرة، والنشاط الاقتصادي الإضافي الذي يولده هذا الإنفاق. وتكمن أهمية هذا التعريف في أنه لا يقصر الاقتصاد الفضي على "منتجات الشيخوخة" كالأجهزة الطبية ودور الرعاية، بل يشمل كل ما ينفقه كبار السن على الغذاء والسكن والنقل والسياحة والترفيه والخدمات المالية، إضافة إلى الإنفاق العام الموجه إليهم كالمعاشات والرعاية الصحية.
ويقصر أصحاب التعريف التشاركي (جانب العرض والإنتاج) على الاستهلاك، فيختزل كبار السن في دور المتلقي، بينما هم أيضًا منتجون وعاملون ورواد أعمال ومستثمرون ومتطوعون ومقدمو رعاية. ويقترح الباحث البولندي أندجي كليمتشوك النظر إليه بوصفه نظامًا اقتصاديًا يستفيد من القوة الشرائية لكبار السن ويلبي احتياجاتهم، ويوظف في الوقت ذاته طاقاتهم الإنتاجية.
بناءً على ما سبق، يمكن تعريف الاقتصاد الفضي إجرائيًا بأنه: نظام اقتصادي متكامل يشمل عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والادخار والاستثمار المتعلقة بالسلع والخدمات الموجهة إلى الفئة العمرية من الخمسين فما فوق، في مجالات الصحة والرعاية والتأمين والسكن والنقل والتعليم والترفيه والخدمات المالية، ويقوم على مشاركة هذه الفئة نفسها في إدارته وتشغيله والاستثمار فيه، بما يحقق كرامتها ورفاهها ويعزز النمو الاقتصادي للمجتمع كله.
وينطوي هذا التعريف على أربعة عناصر: الفئة المستهدفة، وهي من بلغوا الخمسين، وهو الحد الذي تعتمده أغلب الدراسات الدولية؛ وشمول الدورة الاقتصادية من الإنتاج إلى الاستثمار؛ والطابع التشاركي الذي يجعل كبار السن فاعلين لا متلقين فقط؛ والبعد الغائي الذي يربط الكفاءة الاقتصادية بالكرامة الإنسانية.
** خبير إعلامي
