د. محمد بن عوض المشيخي **
يزخر الفضاء الرقمي من حولنا بعالم جديد ومتغير لا يتخيله العقل البشري من حيث قوة الصورة وتأثير المحتوى المرئي المتمثل في ما يعرف بمشاهدة وإدمان إنستجرام ريلز ومقاطع الفيديو القصيرة على منصتي يوتيوب وتيك توك، والتي تُعبِّر مُجتمعةً عن عصر غير مسبوق من التدفق المعلوماتي الجارف، بما يحمله من مضامين فيها الغث والسمين، خاصة في تلك الشبكات المظلمة التي أصبحت خارج السيطرة.
لكن في نفس الوقت تعكس هذه التحولات الرقمية، الواقعَ الجديدَ الذي يعيشه إنسان اليوم، وكيفية تعامل الشباب في هذه المرحلة مع المعطيات الحاضرة والمُعبِّرة عن الوجه الآخر لهذه التكنولوجيا المُزوَّدة بالخوارزميات التي تكشف عن رغبات الجمهور وأذواقهم نحو كل ما يُنشر في الشبكات الرقمية، ثم تُعيده مجددًا لهم وتُحاصرهُم في حلقة مُغلقة لكي تُبقيهم أطول فترة مُمكنة يتسمرون ويتابعون شاشة الهاتف الذكي ويتفاعلون معها لساعات طويلة، ويقودها الذكاء الاصطناعي بما يحمله من تفرُّد يُضفي على تلك الرسائل الإعلامية التأثير المطلق والإبهار والجذب منقطعي النظير.
لقد ألقت تلك المتغيرات الرقمية بظلالها على المستخدمين لهذه القنوات في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك من خلال ما يعرف بزخم "الترندات" ذات المضامين والمشاهد المُحبَّبة والمُفضَّلة للشباب من خلال المنصات الإعلامية المعروفة والأكثر شعبية عن غيرها وعلى وجه الخصوص (تيك توك، ويوتيوب، وإنستجرام)؛ فقد تميزت برسائلها القصيرة والبسيطة والتلقائية؛ فالمقالات والأفلام الطويلة لا تجد لنفسها سوقًا في هذا الزمن، على الرغم مما تحمله من فكر رصين وثقافة عميقة؛ فالكل يحتاج اليوم إلى المادة المرئية التي لا تتجاوز الدقيقة الواحدة أو أقل، والأهم من ذلك كله قُرب تلك المشاهد القصيرة من الشباب والمرأة؛ إذ إنها تحظى بأرقام كبيرة من المتفاعلين على نطاق واسع. وتلك المشاهد القصيرة التي تُعبِّر عن فكرة مختصرة قد تكون ترويجًا لبضاعة مُعينة أو نشرا لمعلومة ثقافية أو بقصد الترفيه عن النفس أو تعبير عن مذهب ديني أو سياسي هي الأكثر نجاحًا وحضورًا في المنصات الرقمية، يُهدف منها في نهاية المطاف إلى إقناع المتابعين والمهتمين بتلك القصة أو الرواية، والعمل على الإعجاب بها وإعادة نشرها للمضافين لغاية كسب أرقام جديدة؛ بهدف السيطرة والدفع بالمحتوى المرغوب فيه للاحتفاظ بالناس أطول فترة ممكنة أمام الشاشات.
وظاهرة "الترند" تعني الجديد أو الموضة أو النزعة التي تجذب الجميع؛ إذ يعتبِر عامة الناس من فاتهم الترند أنهم خسروا الرهان وغير مواكبين للأحداث! وتتوافر عوامل الانتشار الواسع وخاصة بين الشباب؛ فلكل وسيلة من هذه الوسائل- التي تحمل لنا المضامين والرسائل الإعلامية- مواصفاتها الخاصة عبر الوسم الذي قد يتحول إلى ترند عالمي حتى ولو كان يفتقد إلى المحتوى الرصين، لكنه يجذب الملايين من باب الفضول. ومعظم الترندات عمرها قصير قد يصل في بعض الأحيان لساعات معدودة؛ إذ إن ترند في منصة إكس- مثلًا- عبارة عن أفضل عشرة وسوم انتشارًا وتفاعلًا من الجمهور في وقت مُعين في موقع هذه المنصة التي تحظى بمئات الملايين من المشتركين؛ وذلك من خلال إعادة التغريدات أو الإعجابات والتعليقات المصاحبة للموضوع المطروح للمناقشة والتداول في هذا الفضاء الرقمي الذي يموج بالأطروحات المختلفة.
وبالفعل نجد اليوم الشباب من جيلي "زد" و"ألفا" وقد رضعا التكنولوجيا بكل أبعادها وكانا شاهدين على التحولات الثقافية التي غيَّرت هياكل المجتمعات الإنسانية؛ بسبب تأثيرها المباشر في تشكيل وعي المجتمعات المعاصرة، ويمكن القول إن جيل "ألفا" أول جيل يولد متصلًا بالإنترنت منذ لحظاته الأولى؛ إذ يمتد عمر هذا الجيل من 2010 إلى 2024؛ بينما ظهر جيل "زِد" للوجود قبل ذلك وبالتحديد في عام 1997؛ فقد تزامن مع بدايات ظهور الإنترنت في دول المنطقة. وبشكل عام يمكن القول إنَّ من أهم التحولات الجوهرية في سلوك جيلي زد وألفا، الرقمنة وإنتاج واستهلاك للمحتوى بأنفسهم، كما هو الحال إنتاج مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تتجاوز بضع ثوانٍ، والأهم من ذلك إقبال هؤلاء الشباب على منصات البث المباشر لمتابعة الألعاب الإلكترونية والحوارات الترفيهية. كما أن هناك متابعة جيدة للمحتوى الصوتي المعروف بـ"البودكاست"؛ إذ يمنح ذلك الشباب الفرصة للاستماع إلى الكتب الصوتية والحوارات الثقافية، أثناء ممارسة الأنشطة اليومية كممارسة رياضة المشي أو قيادة السيارة.
لكن في نفس الوقت، هناك تراجع في الاعتماد على المواقع الإخبارية التقليدية، وبدلًا من ذلك متابعة الحسابات الإخبارية السريعة؛ إذ يفضلون صناع المحتوى من أقرانهم الشباب الذين يحللون الأحداث بأسلوب بسيط ومختصر وسريع. وبالفعل تم تصميم كافة المنصات مثل فيسبوك وأخواتها لتناسب مواصفات الهاتف المحمول، لاستخدامه بيد واحدة في أي مكان وزمان؛ وذلك لتحقيق التصفح اللانهائي لأسفل الشاشة، مدفوعًا- بفضول- ملاحقة ما تفرزه المنصات من مضامين حديثة، والأهم من ذلك تحول صناعة المحتوى إلى مهنة جاذبة ومربحة للمشاهير مما جعل الشباب يثقون في "المؤثرين" أكثر من وسائل الإعلام التقليدية.
وتكشف لنا الأرقام العالمية لهذه السنة 2026، التحول المذهل بين الشباب حتى عمر 24 سنة نحو العالم الرقمي والغوص في عالم الشبكات الإعلامية، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ تشير الاحصائيات إلى أن 98% من هؤلاء يستخدمون الإنترنت بشكل يومي، بينما يقضون 7 ساعات مُتنقِّلين بين المنصات الرقمية. ونتيجة لذلك نجد هذا الانفجار المعرفي الذي لا يعرف حدودًا بسبب غزارة المعلومات وصعوبات تقنينها، وبعد ذلك تحليلها بشكل إيجابي ومناسب لتحقيق الغاية من جمعها ثم استخدامها بشكل صحيح.
ومن هنا يجب الاعتراف بخطورة تأثير منصات التواصل الاجتماعي على قيم الأجيال الصاعدة حول العالم، وبالفعل تمكنت الدول الأنجلو-ساكسونية من اختراق الثقافات المحلية والقيم الوطنية في معظم الدول النامية، حاملة معها ما يُطلقون عليه "ثقافة الانفتاح" أو ما نسميه "الانحلال الأخلاقي"، ونتيجة هذا النزيف تظهر في الأفق تحديات تكشفها الدراسات الأكاديمية في هذا المجال؛ ويمكن اختصارها في النقاط الآتية:
- تآكل الهوية الثقافية في دول الجنوب، نتيجة التعرض المفرط، وانعكاسات المحتوى المتكرر على اهتزاز القيم الوطنية والتقاليد المحلية.
- اتساع الفجوة بين الأجيال؛ بحيث يؤدي ذلك انعدام لغة التفاهم بين الآباء والابناء؛ مما يضعف القيم والثقافة المحلية؛ فالمنصات الرقمية هي التي يأخذ منها الشباب معلوماتهم متجاهلين ما يقدم لهم من الأسرة والمدرسة.
- تداول المعلومات المضللة على نطاق واسع؛ مما تساهم في ظهور سلوكيات سلبية تؤثر على وعي ومشاعر الناشئة بالانتماء للوطن والمجتمع بشكل عام؛ فالذي يوجه هنا هي وسائل التواصل الاجتماعي وليس المؤسسات التربوية.
في الختام.. نحن أمام جيل تائهٍ يقف في مفترق الطرق بين قيم وطنية يعتبرها قديمة وغير مناسبة للمرحلة، وعالم رقمي مُثقل بالملفات الساخنة التي تجلب التوتر، وهو في الاساس غير ثابت وقابل للمتغيرات على مدار الساعة، ولكنه في نفس الوقت بحاجة لإعادة مد جسور الحوار الجاد مع الذين يهُمهم الاحتفاظ بشعرة معاوية، لكي لا نخسر هؤلاء الذين يمثلون المستقبل المشرق للأمة؛ لكونهم يُمسكون العالم بين أصابعهم عبر الشاشات الذكية ويعرفون الكثير من الثقافات العالمية، ولكنهم يجهلون من هُم؛ فقد اختاروا لأنفسهم التموضع في المنطقة الرمادية.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
