ابن الأثير.. قيراط السيادة العُمانية العادلة

 

 

عز الدين الشيباني الملقب بابن الأثير

 حمد الناصري

إنّ قراءة التاريخ البشري تُعلّمنا أنّ المجد لا يصنعه الفرسان بأسنّتهم في البحار والبراري فحسب، بل يحميه المؤرخون الشرفاء الذين جعلوا من ضمائرهم سدًّا منيعًا ضد الطمس والنسيان. وفي زمنٍ تبارى فيه مؤرخو الحواضر الكبرى في تدوين أخبار قصور الخلافة المركزية ببغداد ودمشق، مغفلين، عن عمدٍ أو جهل، حركة الإمبراطورية البحرية العظيمة التي كانت تسود الشرق وتحرس ثغور المحيط العميق؛ بحر عُمان المفتوح شرقًا وجنوبًا وشمالًا وغربًا، من ساحل سدح المكين إلى جزر سلامة وبناتها غربًا، والذي تربّع على عرشه (المحيط العُماني).

ومن هنا، برز قلمٌ عالميٌّ منصف أعاد للتاريخ توازنه؛ إنه المؤرخ والعلّامة عز الدين ابن الأثير الشيباني، الرجل الذي لم يكن عُمانيًّا بالدم والنسب، لكنه كان عُمانيًّا بالهوى والإنصاف، مثبتًا بمداده الراسخ أنّ عظمة عُمان فرضت هيبتها السيادية على كل قلم امتلك ضميرًا علميًّا حيًّا.

وُلد ابن الأثير في «جزيرة ابن عمر» شمال الموصل عام 1160م، ونشأ في كنف عائلة شيبانية وائلية عريقة، ارتبطت تاريخيًّا بالبلاغة وإدارة ديوان الرسائل والخزانة. وقد أتاح له ذلك التموضع الأسري، ولإخوته الأعلام، تأسيس مثلث فكري خارق، نهل من مجالس والدهم التي كانت تلتقي فيها قوافل العلماء والرحالة والملاحين القادمين من موانئ البصرة ومدخل الخليج العربي، الذي يمثّل بدوره مدخلًا بحريًّا حيويًّا للجزيرة العربية. ولم يكن ابن الأثير، في موسوعته التاريخية الكبرى «الكامل في التاريخ»، مجرد ناقل ساكن للأخبار، بل كان محققًا يمحّص الروايات ويبحث عن حقيقة القوى الفاعلة في جغرافيا الإسلام؛ فحين غابت العدالة التاريخية عند غيره، تفرّد هو بإفراد صفحات طوال ومشرقة لتوثيق ملاحم عُمان ورجالاتها من الأزد.

وتتجلّى عظمة إنصاف ابن الأثير في وقوفه الدقيق أمام عبقرية آل المهلب وبأس يزيد بن المهلب، مفصّلًا فتوحاتهم الجرجانية؛ إذ كانت «جرجان» وبلاد «طبرستان» المجاورة لها منطقتين جبليتين ووعرتين جدًّا، ومليئتين بالقلاع الحصينة والممرات الضيقة. وقد جعلت هذه الطبيعة القاسية فتحهما مستعصيًا على كبار قادة المسلمين الذين سبقوا يزيد؛ فكلما حاول قائد فتحهما، صُدَّ وتراجع، لتصبحا العقدة المستعصية وإحدى أعقد الملاحم العسكرية التي قادها الفارس العُماني يزيد بن المهلب بن أبي صفرة في تلك المنطقة الواقعة اليوم في شمال إيران، وتحديدًا في المنطقة الجنوبية الشرقية من بحر قزوين.

وحين تولّى ولاية خراسان في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك، صمّم، بفضل دهائه العسكري المفرط، على كسر هذه العقدة؛ فقاد جيشًا جرّارًا، وسار بنفسه وقبائل الأزد التي التفّت حوله، ليخوض ملحمة الحصار والفتح، مدبّرًا معارك ضارية ومناورات عسكرية طويلة حبست أنفاس التاريخ. وقد حاصر قلاعهم الحصينة، مثل قلعة بحيرة جرجان، لشهور، واستخدم عبقريته في قطع الإمدادات والالتفاف خلف الجبال، حتى أذعنت له تلك الممالك المتمردة وفُتحت البلاد بالكامل تحت راية قيادته، في حركة عسكرية مهيبة هزّت عروش الجور.

ولم يقف قلم ابن الأثير عند حدود رصد السِّيَر، بل وثّق بكل أمانة استقلالية القوة العُمانية وامتدادها، وصان أمجاد الأئمة الأوائل وأبطالها العُمانيين الذين قادوا المعارك البحرية في أعالي البحار، من أجل تدوير عجلة التجارة العالمية ودحر القرصنة. إنّ هذا الحب والتركيز البليغ اللذين غمر بهما ابن الأثير تاريخ عُمان لم يكونا مبنيَّين على المصادفة، بل كانا اعترافًا أكاديميًّا ناصعًا بأنّ السيادة البحرية العُمانية كانت صمّام أمان الشرق بأكمله، وأنّ حجب هذه الحقيقة بخسٌ لأصل من أصول الحضارة العربية.

خلاصة القول: يمثّل ابن الأثير، في نظرنا، أنموذجًا فريدًا للمؤرخ العالمي المبرّأ من الهوى، وصوت العدالة الأكاديمية الأسمى الذي تفرّد بإنصاف عُمان في متونه حينما شحّت الأقلام وبخس الآخرون حقها. وتكمن قيمته الاستثنائية التي تميّزه عن غيره في أنه لم يقف عند حدود النقل الجامد، بل انتصر بوعيه البحثي الصارم لسيادة هذه الأرض الطيبة، مثبتًا للعالم أنّ مجد الإمبراطورية البحرية العُمانية كان أكبر من أن يُطمس، وأقوى من أن يُتجاهل؛ ليبقى كتابه «الكامل في التاريخ» منارةً للمنصفين، وشاهدًا حيًّا على أنّ أمجاد عُمان وسيطرتها على أعالي البحار قد حُفرت بعقول وسواعد أبنائها الأوفياء، ووُثّقت بأقلام شريفة لم تعرف التبعية ولا التزييف عبر الأزمان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z