"الموسيقى الصُورية ورحلة اللسان بين موانئ الخليج"
حمد الناصري
إن حركة الألسن في الجزيرة العربية ليست سلوكاً لفظياً منعزلاً، بل هي مرآة باطنية تعكس سيرورة الهجرات الإنسانية والتلاقح الثقافي بين موانئ الخليج؛ فالنبرة الصوتية والمفردة الدارجة تحمل في جبلتها تاريخاً ممتداً من التكافل والترحال، ولذلك ترسخت الموسيقى اللفظية كجسر وجداني عابر للمسافات، يربط بين وعي الجماعات برباط فطري وثيق لا تمحوه متغيرات الزمن وتعاقباته. فالألسن التراثية تؤكد يوماً بعد آخر أنّ اللسان العماني يمتلك ذوقاً صوتياً خاصاً يميل طواعية نحو التخفيف والتيسير، محولاً الألفاظ الحوشية بكلماتها المعقدة والهمزات الثقيلة، التي قد تكون صعبة النطق أو التي تكون في وحشة غير مألوفة أو تلك الألفاظ الغامضة والبعيدة عن الأفهام؛ فاللسان المحلي يقوم بتعديلها إلى تركيبات سلسة عذبة قائمة على التسهيل المعنوي والتيسير في المفهوم المتداول بين الناس مُحققاً جرس سلامة النطق اللفظي العام. ويتساوق ذلك التشريح السوسيو-لغوي للموانئ وحركية الأسفار البحرية مع ما أسسه الفيلسوف اللغوي ابن جني في كتاب "الخصائص" حول طبيعة "التلاقح والامتزاج اللساني"، حيث يُبرهن على أنّ تداخل الجماعات في محطات التجارة يولد رنيناً مرناً يذوب معه ثقل الألفاظ الحوشية غريزياً؛ وهو ما تُبرهنه ميدانياً بحوث الأنثروبولوجيا اللسانية المعاصرة لـ "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" التي نظمها مجلس البحث العلمي، في كشفها عن أنّ لهجة الحواضر البحرية والموانئ التاريخية كـ "صور العفية" وشريط الباطنة مثلت قنوات اتزانية واعية نقلت ظواهر صوتية فصيحة وصانت عراقة التداول الصوتي المشترك من عثرات التلاشي.
ويتجلى ذلك التنظيم الوجداني للسان بشكل تطبيقي في حركية السفر والتجارة البحرية عبر التاريخ العُماني؛ فالانتقال البدني لم يقتصر على نقل البضائع، بل حمل في طياته انتقال النبرات وتداخل الجرس الصوتي لتذوب الفوارق بين الموانئ والمحطات. ويكشف لنا هذا التشريح السوسيو-لغوي عن حقائق باهرة وثابتة تحكم وعي اللسان الخليجي؛ حيث امتد الأثر الصوتي للهجة أهل مدينة صُور العُمانية عابراً للمسافات البحرية، بل أبحرت قديماً مع السفن العُمانية لدواعي العمل وبناء الحياة في الكويت في منتصف القرن الماضي، لتترك بصمتها الفصيحة في تحويل القاف إلى "غاف" كدلالة على الامتزاج الحِسي. ويتكامل ذلك التداخل ليُعِيد رسم خريطة التفرعات الصوتية وتتبع علاقاتها التاريخية بما يتوافق مع الألفاظ العامية ويتناسب مع الجرس الصوتي، وبذلك تعمل على تطويرها بآلية الارتباط المشترك عبر الزمن؛ وهذا التلاقح المشهود هو استنتاج حتمي يُبرهن على أنّ حركة التنقل البحري صهرت الحدود اللفظية وجعلت الموانئ قنوات لتبادل الهوية الصوتية وتيسيرها فطرياً، لتُثبت الدراسات المحلية المهتمة بلهجة أهل صُور العفية أنّ سِرّ ذلك الامتداد الوجداني لا يقتصر على المعجم البحري المُشترك، بل في نكهة الموسيقى اللفظية ولحن الصوت الذي أبحرت به السفن قديماً لتذوب به الفوارق الجغرافية بين موانئ الخليج. ويتطابق هذا التبادل اللفظي والتأثير الصُوري العابر للبحار مع الأطروحات العلمية الحديثة للباحث العُماني الدكتور عامر بن آزاد الكثيري في ورقة عمله بمؤتمر الرابطة الدولية لدراسة اللهجات العربية (AIDA 16)، حيث أثبت حاسوبياً وميدانياً أن حركة الموانئ العُمانية نقلت ظواهر صوتية فصيحة وصانتها من الاندثار. كما ينسجم هذا المفهوم مع أبحاث علم اللغة الاجتماعي حول "الانتشار اللهجي عبر معابر التجارة الساحلية"، والتي تُؤصل لكون النبرة الشفهية اللينة لأهل البحر تمتاز بقدرة سحرية على النفاذ لوعي الحواضر المجاورة وتعديل تركيباتها النطقية طلباً للتيسير، مما يجعل الموسيقى اللفظية الصورية صك ترابط أنثروبولوجي عميق يربط ضفتي التداول الشفاهي في الخليج.
إذن نقول: إنّ لهجة أهل صُور العفية لهجة سامقة، جميلة في محياها وفي سلاستها بجرسها الموسيقي الذي لا يشبهه جرس موسيقي في مقامه.. ذلك الجرس الحٍسي وُجِد في المجتمع الخليجي صحيحاً، وأنه الأقرب إلى هذا الجرس الحِسي القادم من مدينة صُور العُمانية إلى اللسان الكويتي، فمثلاً مفردة "القاف" يقولونها غاف؛ ونعطي مثالاً على ذلك "قابيل" ينطقونها "غابيل". إنه الجرس الحِسي وعملية الإبدال والإقلاب اللغوي التي تحوّل "القاف إلى غاف"، حيث تأتي أسباب ذلك الإقلاب والتبديل مدفوعة بالفطرة الصوتية للأمم طلباً للتيسير وتخفيف المخرج اللفظي الحَلقي الثقيل ليكون النطق أكثر سلاسة وعذوبة، لكن الكلمة تظل في أصلها كما هي وتحتفظ بمعناها الظاهر والباطن دون نُقصان. وكما يبدو أنّ أهل الكويت هم الذين أخذوا ذلك الإقلاب والتبديل في الثقل اللساني لحرف القاف من لهجة أهل صور العمانية؛ إذ يبرز في هذا السياق المُستشرق وعالم اللسانيات البريطاني البروفيسور كلايف هولز، أستاذ دراسات العالم العربي المعاصر بجامعة أكسفورد، الذي قضى عقوداً في سبر الخصائص اللسانية ميدانياً، ليضع أطروحته في كتابه المشهور "دراسات في لهجات شرق الجزيرة العربية" الصادر في أصله الإنجليزي عام 1983 م عن دار جامعة مانشستر؛ وقد حظي هذا الأثر اللغوي بنقل أمين إلى اللسان العربي حين تُرجم بقلم الدكتور عبد الله الصالح العثيمين ونشرته جامعة الملك سعود، واصفاً بدقة ميكانيكية وتوصيفية عالية كيف صَهر النفوذ الملاحي والتنقل التاريخي لبحارة صُور والباطنة نحو حواضر شمال الخليج تلك الظواهر الصوتية البحرية المتطورة، وهو التوثيق الذي يتلاقى مع الباحث الكويتي محمد يوسف الرومي في توثيق الشواهد الميدانية لـ "ظاهرة قلب الحروف وإبدالها في اللهجة الكويتية"، مؤكداً تأثر البيئة اللفظية المحلية بالمثاقفة البحرية اليومية المباشرة مع السفن العُمانية الوافدة. ومن هذا المبتدأ الصُوري الممتد، تترابط الألسن العربية في الجزيرة العربية بالتلاحم والتقارب وتلك هي الروابط الوثيقة بين اللغات واللهجات، فتلتقي الثقافات عبر تناقلها بين القبائل من "قطر" نحو "الكويت"، وتتماس لهجة أهل الأحساء بين البداوة والحضارة، وصولاً إلى الرنّة "الجرس الصوتي الدافئ" لأهل البحرين والتي تتناغم حسياً مع لهجة أهل الباطنة، مِمّا يُثبت أنّ اللسان الخليجي يتكامل ويشترك في نبرة الروح ونقاء الفطرة. وفي هذا الجانب يقول الله تعالى في الآية الكريمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}. ويتساوق هذا النفوذ الملاحي والتواصل اللهجي الميداني تساوقاً تاماً مع النظريات الألسنية الحديثة في "الجغرافيا اللغوية" (Linguistic Geography)، والتي تبرهن علمياً على أن الموانئ البحرية المفتوحة وقنوات الملاحة تمثل "ممرات صوتية متحركة" تنقل القوانين الصوتية وتذيب الفوارق الجغرافية بين المُجتمعات المُتثاقفة حساً وبدناً. وهي الرؤية ذاتها التي كللتها بحوث د. عامر بن آزاد الكثيري المنشورة وأوراق عمل "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" التي عقدها مجلس البحث العلمي، حيث أوصت بضرورة صون "الرنة الصورية والبحرية" بوصفها ركيزة اتزانية فريدة حمت اللسان الشفهي الخليجي الممتد وأبقت أصله العربي القويم حياً ونابضاً في تفاصيل الخطاب المعيش.
وهُنا نلمح فصلاً منهجياً وثيقاً يجمع بين لغة الأرقام وأصالة الوجدان؛ فبينما يرتكز البحث الأكاديمي على توثيق الأثر الجغرافي وحركة السفن ميكانيكياً لحفظ الظواهر الصوتية من الاندثار، ننفرد نحن في أطروحتنا بـتقديم "التشريح الوجداني والأنثروبولوجي" الذي يرى في ذلك التماس الصوتي امتزاجاً حسياً ونبراساً يعكس وعي وجدان الإنسان الخليجي وعلاقاته التاريخية الكامنة في الفطرة. ويتطابق هذا التمايز الفلسفي والمنهجي تطابقاً تاماً مع أطروحات الفيلسوف والأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس في تحليله للبنى الثقافية، حيث يبرهن على أن العلاقات التاريخية والظواهر الإنسانية الشفهية لا تُفهم فقط من خلال رصد أرقامها الميكانيكية الصماء، بل بسبر وعيها الوجداني والروحي الكامن في فطرة المجتمعات. وهو المرتكز المعرفي الذي تعززه بحوث "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان"، في إثباتها العلمي أن التماس الصوتي والمُثاقفة البحرية بين موانئ صور والباطنة والخليج شكّلا نسيجاً وجدانياً موحداً تجاوز الأطر المادية الحديثة وصان جينات الحرف برصانة ويقظة.
خُلاصة القول: يتأكد لنا بيقين ساطع أنّ التداخل اللفظي والموسيقى الصوتية بين أرجاء الخليج ليس مجرد اقتباس عابر، بل هو شاهد حي ينطق بحس اللسان الفطري ويُذيب الفوارق الجغرافية، لتظل الرنة الصوتية العُمانية هي النواة والمبتدأ، مُعلنة تفوّق عراقة الألسن وانتصار الروابط الإنسانية والثقافية العميقة على المظاهر المادية الحديثة. ويتطابق هذا الاستخلاص الفلسفي تماماً مع الطرح الثقافي للفيلسوف الألماني والتر بنيامين في نقده لأثر التطور المادي على روح الفنون والمأثورات البشرية، حيث يبرهن على أن الروابط الإنسانية العميقة والموسيقى الشفهية الفطرية هي النواة الصلبة التي تقاوم صخب المظاهر المادية وتصون أصالة الوجود المشترك للجماعات. وهو المرتكز الذي كللته أوراق العمل الصادرة عن "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان"، في تشديدها العلمي على أنّ الرنّة الصوتية العُمانية بموانئها الساحلية مَثّلت وثيقة أنثرو-لغوية عابرة للمسافات، صانت عراقة التداول الخليجي وحمت جينات اللسان العربي الأول من الاندثار عَبْرَ تقلبات الأزمان الغابرة والمُتعاقبة .
• المقال من سلسلة فكرية: حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية.
