أحمد الشنفري
أثبتت ثلاثة مشاريع ترفيهية حديثات في محافظة ظفار أن المقوّم الطبيعي وحده لا يكفي، وأن الاستثمار في الموقع المناسب قادر على تحويل وجهة محلية إلى معلم تتداوله المنصات في أكثر من دولة فمن عين صلالة التي تعد اضافة رائعة لولاية صلالة إلى إطلالة شَعَت في ولاية رخيوت، والشارع البحري بين رخيوت وضلكوت، جذبا مئات الآلاف من الزوار في ايام قليلة، وانتشرت مشاهدها على نطاق واسع، حتى صارا من معالم الموسم رغم حداثة عهدهما.
ويطرح هذا النجاح سؤالًا مباشرًا: هل تملك سلطنة عُمان من المقومات الطبيعية ما يؤهلها لموقع أوضح على خريطة السياحة العالمية؟ الإجابة، في ضوء ما تحقق في ظفار، هي نعم، بشرط أن يُستثمر الموقع استثمارًا ذكيًا، لا أن يُترك للصدفة.
وقد انعكس هذا النوع من المشاريع على أرقام الموسم. وبحسب تقديرات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ عدد زوار خريف ظفار في الفترة من 21 يونيو حتى 31 أغسطس 2026 نحو مليون و116 ألف زائر، بارتفاع 8.6% عن الفترة المماثلة من عام 2025، علمًا أن الموسم يمتد حتى نحو 21 سبتمبر، ما يعني أن الحصيلة النهائية أعلى من هذا الرقم. وهي نتيجة تؤكد أن الاستثمار في مناطق الجذب يرفع أعداد الزوار ويعزّز العائد على الاقتصاد المحلي.
واليوم، حين يُركَّز على توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني، فإن ذلك ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية؛ فالاعتماد المفرط على النفط والغاز يعرّض الإيرادات لتقلبات الأسواق وللضغوط السياسية والاقتصادية التي تشهدها العلاقات الدولية، عبر التضييق على مسارات التجارة ومصادر الدخل. وتنويع الاقتصاد، وفي مقدمته السياحة، أحد أقصر السبل لتقليل هذه المخاطر.
ومن هنا يكون الطموح الواقعي هو الانتقال من نحو مليون زائر في موسم ظفار إلى مليوني زائر في العام المقبل، إن توفرت القرارات الداعمة. وهذا الهدف لا يتحقق بالدعاية وحدها، بل بمعالجة العقبات التي ما زالت تحدّ من النمو.
أولى هذه العقبات تتصل بالنقل الجوي ، فوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات هي الجهة المعنية بتطوير القطاع، ومعالي الوزير يرأس مجلس إدارة الطيران العُماني؛ وقد ظل شح الرحلات والمقاعد خلال الموسم عائقًا واضحًا أمام الحركة السياحية، كما أن استحواذ بعض مكاتب السفر والسياحة على حصص كبيرة من المقاعد بهدف الاتجار منها أسهم في رفع أسعار التذاكر بشكل مبالغ فيه، والمطلوب للموسم المقبل رفع عدد الرحلات الجوية إلى صلالة، وتنظيم حصة مكاتب السفر بحيث لا تتجاوز 10% من مقاعد كل رحلة كحد أقصى كسعر أعلى في البيع عن السعر المحدد للمواطنين خلال الموسم، بما يبقي السعر في متناول الزائر المباشر وعدم أيضا المبالغة في رفعه على السياح الأجانب.
أما العقبة الثانية فتتصل بموعد بدء العام الدراسي؛ فمن أسس نجاح الموسم أن تتواءم القرارات الحكومية مع ذروة الحركة السياحية. وتحديد بدء الدراسة بقرار وزاري في 10 سبتمبر من كل عام، مع ترحيله إلى أول يوم عمل؛ إذا صادف إجازة رسمية، يمنح الأسر والعاملين في القطاع فترة أوضح للاستفادة من الموسم، والاقتصاد المتين ينعكس مباشرة على جودة التعليم وجودة الحياة، وهو ما يخدم أهداف وزارة التربية والتعليم لا أن يتعارض معها.
كذلك هناك أهمية قصوى تنشد فيها وزارة المالية وهي اهمية تبسيط إجراءات صرف الموازنة الإنمائية للمحافظة ورفعها، في الخطط المالية المقبلة، إلى ضعف مستواها الحالي على اقل تقدير ، لان الإنفاق في ظفار، وكذلك في وجهات واعدة مثل نزوى والجبل الأخضر وجبل شمس ومسندم ومطرح ومصيرة، ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل إنفاقًا له عائد مباشر وغير مباشر على الإيرادات العامة، من رسوم وضرائب وإشغال ونقل وأنشطة تجارية صغيرة ومتوسطة وكبيرة واستمرار هذا الصرف ورفعه للضعف وأكثر هو ما يضمن بقاء فرص النمو وتوسع فرص العمل والأعمال التجارية.
ويبقى الاستثمار النوعي حجر الأساس: توسعة الطرق إلى أكثر من حارة، وإنارتها، وربط مواقع الجذب بخدمات واضحة؛ فهذه المشاريع هي ما يجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وما يفتح المجال أمام الاستثمار المحلي لكافة الشركات في الإيواء والمطاعم والنقل والأنشطة والخدمات والترويج العقاري وغيرها.
اليوم تقدم إمارة أندورا مثالًا واضحًا على أن عدد السكان ليس معيارًا لحجم السياحة وحجم الصرف على المشاريع السياحية والتنموية فعدد سكانها ما يقارب 90 ألف نسمة، ومع ذلك استقبلت في عام 2025 نحو 9.2 ملايين زائر، بينهم أكثر من 4.3 ملايين مبيت ليلة واحدة على الأقل، بحسب إحصاءات الإمارة ؛ ولم يتحقق ذلك بفعل المساحة أو عدد السكان، بل بفعل استثمار طويل في منتجعات التزلج والطرق والخدمات والتسويق، حتى صار عدد الزوار السنوي يفوق عدد السكان بعشرات المرات ، والعبرة هنا أن المشروع الاستراتيجي يسبق الرقم، لا العكس.
فإذا بُنيت المشاريع في مواقع الجذب، ووُفِّرت المقاعد الجوية بأسعار منضبطة، وتواءم التقويم الدراسي مع الموسم، وتوسعت الطرق والخدمات، فإن رفع عدد السياح وزيادة فرص العمل والأعمال الحرة نتيجة طبيعية، لا أمنية ولا تمني بعيد المنال.
اليوم الدول، وفي مقدمتها دول الخليج، تسعى اليوم إلى تنويع مصادر الدخل لأن الرهان الطويل على النفط والغاز ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصًا في ظل التوترات السياسية التي تضغط على الممرات والإيرادات؛ وعُمان تملك من المقومات ما يؤهلها لتكون في مقدمة هذا المسار.
ختامًا.. تشهد السلطنة تقدمًا ملحوظًا في هذا الاتجاه وفي كثير من القطاعات، والأمل أن يتسارع توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني ليصبح متينا يضمن تحقيق التنمية المستدامة والرفاهية للمواطنين والمقيمين، وأن يتراجع الاعتماد على النفط والغاز في أقرب فرصة ممكنة، بدءًا من موسم قادر على استقبال مليوني زائر إلى مواسم تستقبل عشرات الملايين سنويًا.
