نصرة العبري
لم يعد السؤال اليوم: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى مدارسنا؟
دخل الذكاء الاصطناعي مدارسنا مثل نهر جارف، لا يمكننا منعه، لكن يمكننا توجيهه. وبدأ في تغيير الطرق التي نبحث بها عن المعرفة، ونخطط بها الدروس، ونصمم بها الأنشطة، ونتعامل بها مع البيانات التعليمية، حاملا معه وعودا مغرية: تعليما شخصيا لكل طالب، تصحيحا لحظيا للأنشطة وللواجبات، خطط دروس تنسج في ثوانٍ، وإمكانات لا تنتهي للإبداع والابتكار.
لكن، خلف هذا البريق تلوح أسئلة مقلقة: من يحمي بيانات الطلاب؟ كيف نتأكد من حياد الخوارزميات؟ وهل يهدد الاعتماد على الآلة جوهر العملية التربوية التي تقوم على التفاعل الإنساني؟ لذلك السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: ماذا سيفعل التحول نحو الذكاء الاصطناعي بدور المعلم؟
قد يبدو السؤال مقلقًا للوهلة الأولى، فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إعداد درس في ثوانٍ، وتقديم أفكار تتناسب مع مستويات الطلبة والفروق الفردية بينهم، وتوليد أسئلة وأنشطة متنوعة، بل والمساعدة في تحليل نتائج أدائهم ومستوياتهم، فهل نحن أمام مستقبل يعاد فيه تعريف دور المعلم؟
ربما نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى هذا التساؤل من زاوية مختلفة: المعلم لم يكن مصدر للمعرفة فحسب، والمدرسة لم تكن يومًا مكانًا لنقل المعلومات فقط.
نعم، أن الوصول إلى المعلومة أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن التعليم لا يُختزل في المعلومة، ودور المعلم لا يتوقف عند تقديمها؛ بل هو أن يحول المعرفة إلى فهم، والفهم إلى قدرة على التفكير والتعلم.
نعم، أن الذكاء الاصطناعي يقدم للطالب إجابة خلال ثوان، لكنه لا يستطيع أن يجيب عن سؤال أكثر أهمية: ما الذي يمنع الطالب من الوصول إلى الإجابة بنفسه؟، ولماذا يحتاج هذا الطالب إلى هذه الإجابة تحديدًا؟، وكيف يمكن تحويل أخطائه إلى فرصة للتعلم؟
هنا تبدأ مساحة المعلم؛ فالطالب الذي يجلس يوميًا لساعات في القاعة الدراسية ليس مجرد نتيجة في اختبار أو مجموعة من البيانات؛ بل هو إنسان له ظروفه الخاصة، وقدراته، ومشاعره، وميوله، مخاوفه. فالمعلم قد يلاحظ ما لا يظهر في أي تقرير؛ لحظة إحباط، أو نظرة تردد، أو حماسًا مفاجئًا تجاه تساؤل أو فكرة معينة.
والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقرأ البيانات، لكن المعلم يستطيع أن يقرأ الإنسان. وهذا لا يعني أن المعلم ينبغي أن يحافظ على كل ما كان يقوم به بالطريقة نفسها التي أعتادها، وأن يقف في مواجهة التقنية.
على العكس تمامًا، قد تكون أدوات الذكاء الاصطناعي فرصة لمنحه مساحة أكبر لما هو أكثر أهمية وتحريريه من بعض المهام التقليدية والروتينية؛ فالواقع يشير إلى إعادة تعريف الدور لا استبداله، فعندما يتولى الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية مثل إعداد الأنشطة ومسوداتها، أو تنظيم بعض الأعمال، أو تحليل بيانات التعلم، أو اقتراح بدائل للتدريس، أو تصحيح الاختبارات والواجبات، أو شرح القواعد اللغوية والرياضية المتكررة، أو تنظيم المواعيد ومتابعة الحضور، يتحرر المعلم البشري للقيام بما لا يستطيع الروبوت فعله، وهو الإرشاد النفسي، والتحفيز العاطفي، وتنمية مهارات الابتكار التعليمي، والتفكير النقدي، ويصبح لديه وقت أكبر للحديث مع الطلبة، ومتابعة تقدمهم، وتقديم التغذية الراجعة، وتصميم تجارب تعلم أكثر ثراءً وابتكارًا.
وهنا قد يحدث التحول الحقيقي؛ فالذكاء الاصطناعي لا يأخذ دور المعلم بقدر ما يمكن أن يساعده على الانتقال إلى أدوار أكثر عمقًا.
لكن الوصول إلى التحول الحقيقي لدور المعلم لا يحدث تلقائيًا، فوجود الذكاء الاصطناعي في المدرسة لا يعني بالضرورة أن استخدامه سيكون مفيدًا. فالأداة مهما كانت متقدمة تظل أداة، فاعليتها وقيمتها تعتمد على الإنسان الذي يستخدمها، وعلى الهدف الذي يستخدمها من أجله.
ولهذا، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفير أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس، وإنما بالسؤال عن مدى استعداد وجاهزية المعلم لاستخدامها بكفاءة ووعي ومسؤولية، وهل من أساليب وطرق وبرامج ناجحة لتطوير مهاراته في استخدامه.
هذا السؤال يجعلنا أمام مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن إدخال التكنولوجيا نفسها: تطوير المعلم.
فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يقود تحولًا تعليميًا جديدًا بأدوات لم يحصل على فرصة كافية لفهمها. ولا يكفي أن نقدم له ورشة قصيرة عن كيفية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم نتوقع أن تتغير ممارسته المهنية؛ بل نحن بحاجة إلى معلم يتعلم باستمرار، ويجرب، ويتأمل في ممارسته ويطورها ذاتيًا باستمرار، ويعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة للتطوير، لا كبديل عن التفكير المهني.
وقد يكون هذا أحد أهم التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المدرسة: أن يصبح المعلم نفسه متعلمًا مستمرًا؛ فالمستقبل لن ينتظر المعلم حتى ينتهي من تعلم أداة ليبدأ في استخدام أداة أخرى.
والأدوات ستتغير، والمهارات ستتغير، واحتياجات الطلبة ستتغير، وما يحتاجه المعلم، أكثر من حفظ طريقة استخدام أداة معينة، هو القدرة على التعلم والتكيف والحكم المهني.
وفي المقابل، يحتاج الطالب أيضًا إلى أن يتعلم كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي. فليس الهدف أن يصبح قادرًا على الحصول على إجابة جاهزة، وإنما أن يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يناقش، وكيف يستخدم التقنية دون أن يتنازل عن عقله لها.
وهنا تتضح الصورة أكثر؛ فالمستقبل التعليمي ليس بالضرورة مدرسة ترفض الذكاء الاصطناعي، كما أنه ليس مدرسة بلا معلم. ربما يكون المستقبل مدرسة يتعاون فيها ذكاء الإنسان مع قدرات الآلة، ويكون فيها المعلم يقظًا يعرف متى يستعين بالتقنية، ومتى يحتاج الطالب إلى أن يبحث بنفسه، ومتى تكون أفضل استجابة تربوية هي أن نترك السؤال مفتوحًا.
فكلما ازدادت قدرة الآلة على تقديم الإجابات، ازدادت أهمية الإنسان القادر على طرح الأسئلة الصحيحة.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي المعلم؟ بل علينا أن نسأل سؤالًا أكثر فائدة: كيف يمكننا أن نجعل الذكاء الاصطناعي يساعد المعلم على أن يكون أكثر تأثيرًا، وأن يجعل المدرسة أكثر قدرة على إعداد إنسان يستطيع أن يعيش ويتعلم ويبدع في عالم يتغير بسرعة؟
عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي بديلًا أو نهاية لدور المعلم، بل ربما يكون بداية لمرحلة جديدة من هذا الدور؛ مرحلة لا تقاس فيها قيمة المعلم بكمية المعلومات التي يستطيع تقديمها، وإنما بتطويره المستمر لمهاراته المهنية وبقدرته على أن يجعل الطالب يفكر، ويكتشف، ويثق بقدرته على التعلم.
الآلة قد تقدم الإجابة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المعلم الذي يقول لطالبه في اللحظة المناسبة: أنا أؤمن أنك تستطيع أن تصل إليها بنفسك.
