من أخبرنا أن الشاعر كان عاشقًا؟

 

 

 

محمد أنور البلوشي **

كم مِنَّا، كأُناسٍ عاديين ولسنا بالضرورة من المثقفين أو المتخصصين في الأدب، نقرأ الشعر ونتدبر معانيه ونبحث عن الشعراء ودواوينهم؟ وكم شاعرًا كنا سنعرف لو لم نسمع الأغاني والموسيقى؟ ألم يكن للمغنين والملحنين دور كبير في ظهور هؤلاء الشعراء وانتشار أسمائهم بين الناس؟ ربما نعرف اسم المغني قبل أن نعرف اسم الشاعر، ونحفظ القصيدة من خلال الأغنية قبل أن نكتشف أنها كانت يومًا كلمات كتبها شاعر في ليلة حب أو حزن أو فراق. وربما نردد بيتًا شعريًا سنوات طويلة، ثم نكتشف متأخرين أن وراء الصوت الذي أحببناه شاعرًا عظيمًا لم نقرأ له ديوانًا واحدًا.

كثيرًا ما أسأل نفسي: من الذي يمنح الآخر الخلود، الشاعر أم المغني؟ وهل كانت بعض القصائد ستعيش كل هذه العقود لو بقيت حبيسة الكتب؟ قد يكتب الشاعر قصيدته وحيدًا في غرفة صغيرة، أمام نافذة مفتوحة على الليل، ولا يسمع كلماته سوى قلبه. ثم يأتي الملحن، فيضع بين الكلمات شيئًا من روحه، وبعده يأتي المغني فيمنحها صوته، وفجأة تخرج القصيدة من تلك الغرفة الصغيرة وتسافر إلى ملايين البيوت والقلوب. هنا تصبح الموسيقى جناحين للكلمات، ويصبح صوت المغني سفينة تحمل الشاعر إلى أناس ربما لم يكونوا يعرفون حتى اسمه.

وأنا واحد من هؤلاء. ربما لم أكن لأعرف نزار قباني بالصورة التي أعرفه بها اليوم لولا الأغنية. قبل أن أبحث عنه في الكتب، وجدته في صوت عبد الحليم حافظ وهو يغني "قارئة الفنجان" و"رسالة من تحت الماء"، ثم وجدته بصورة أخرى في صوت كاظم الساهر، حين أصبحت قصائده رسائل حب وعتاب وشوق يرددها الملايين، ووجدت عالمًا آخر من جمال الكلمة في صوت ماجدة الرومي. ولذلك أتساءل: كم شخصًا عرف نزار قباني لأنه اشترى ديوانه، وكم شخصًا ذهب إلى ديوانه لأنه سمع قصيدته مغناة؟

وقد نُسب إلى نزار قباني في أحاديثه عن الشعر والغناء معنى جميل، وهو أن للمغنين فضلًا كبيرًا في وصول الشعراء إلى الناس. وأظن أن هذه الفكرة تحمل الكثير من الحقيقة. فالمغني لا يغني القصيدة فقط، وإنما يعيد ولادتها. قد يسمع شاب كاظم الساهر ثم يسأل: من كتب هذه الكلمات؟ وهكذا يصل إلى نزار. الأغنية هنا تصبح الباب، بينما يقف الشاعر خلف ذلك الباب بعالم كامل ينتظر من يكتشفه.

والأمر نفسه نجده مع أم كلثوم. كم من الناس عرفوا إبراهيم ناجي من خلال "الأطلال"؟ وكم من الناس اقتربوا من أحمد شوقي وغيره من الشعراء لأن صوت أم كلثوم حمل كلماتهم إلى أماكن لم تكن الكتب تستطيع الوصول إليها؟ عندما تستمع إلى قصيدة مغناة بصوت عظيم، فإنك لا تسمع الكلمات فقط، بل تشعر بها. ربما بيت قرأته على الورق ولم يحرك فيك شيئًا، تسمعه بصوت مغنٍ في ليلة هادئة فيعيد إليك إنسانًا أحببته، أو مكانًا تركته، أو زمنًا كنت تتمنى ألا ينتهي.

ولا يمكن أن أتحدث عن جمال الصوت دون أن أتوقف عند أسمهان، آمال الأطرش، ذلك الصوت الذي مرّ سريعًا في تاريخ الفن العربي لكنه ترك أثرًا أكبر بكثير من سنوات عمره. ولدت أسمهان عام 1912 ورحلت عام 1944 وهي في الحادية والثلاثين، وكأن حياتها نفسها كانت أغنية جميلة توقفت قبل أن يكتمل لحنها. كان في صوتها شيء من الحزن وشيء من الكبرياء وشيء آخر لا يمكن تفسيره بسهولة. غنت كلمات شعراء كبار مثل أحمد رامي والأخطل الصغير ومأمون الشناوي وبيرم التونسي، وتعاملت مع ملحنين كبار، من بينهم محمد القصبجي ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وشقيقها فريد الأطرش. رحلت أسمهان منذ عقود، ولكن حين نستمع إلى صوتها اليوم نشعر بأن بعض الأصوات لا تعرف معنى الموت. يموت الجسد، لكن تبقى النبرة معلقة في مكان ما بين القلب والذاكرة.

وهنا تكمن قوة الموسيقى: الكتاب يحتاج منا أن نذهب إليه، أما الأغنية فهي التي تأتي إلينا. الديوان ينتظر على رف المكتبة، بينما الأغنية تبحث عنا في السيارة والمقهى والبيت، وفي سفر طويل، وفي ليلة لا نستطيع فيها النوم. وربما تأتينا في لحظة حب فنربطها بإنسان، أو في لحظة فراق فتبقى معنا بقية العمر. ولهذا يستطيع إنسان أن يحفظ عشرات الأبيات الشعرية من الأغاني دون أن يشعر أنه كان يحفظ الشعر أصلًا.

لكن علينا أن نكون عادلين. كما منح المغنون الشعراء جمهورًا أوسع، منح الشعراء المغنين كلمات صنعت جزءًا من خلودهم. ماذا كانت ستكون "قارئة الفنجان" من دون صوت عبد الحليم؟ ولكن ماذا كان سيغني عبد الحليم لو لم يكتب نزار تلك الكلمات؟ وماذا كانت ستكون "الأطلال" دون أم كلثوم؟ ولكن ماذا كانت ستغني أم كلثوم لو لم يكتب إبراهيم ناجي ذلك الألم شعرًا؟ هنا ندرك أن الشاعر والمغني ليسا متنافسين، بل عاشقان لفن واحد؛ أحدهما يكتب ما يشعر به الإنسان، والآخر يجعل الإنسان يشعر بما كُتب.

وربما هذه هي أجمل علاقة بين الشعر والموسيقى. الشاعر يعطي الكلمات، والملحن يمنحها جناحين، والمغني يجعلها تطير. وبعد سنوات يرحل الثلاثة، لكن الأغنية تبقى. يأتي جيل لم يرَ نزار ولا عبد الحليم ولا أم كلثوم ولا أسمهان، لكنه يحب ويحزن ويشتاق على كلماتهم وأصواتهم. عندها نفهم أن الفن يستطيع أن يهزم الزمن.

ولهذا، عندما نحتفل بشاعر عظيم، علينا ألا ننسى الصوت الذي حمل شعره إلينا، وعندما نصفق لمغنٍ عظيم، علينا أن نتذكر اليد التي كتبت الكلمات التي غناها. فلولا الشعر ربما افتقدت الموسيقى شيئًا من روحها، ولولا الموسيقى ربما بقي كثير من الشعر وحيدًا بين صفحات الكتب. وبين قلم الشاعر، وخيال الملحن، وصوت المغني، يولد شيء لا يملكه أي منهم وحده: الخلود.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z