محمد بن زاهر العبري
لم تكن مسيرة سلطنة عُمان في علاقاتها مع دول العالم يومًا قائمة على الحضور البروتوكولي أو الزيارات العابرة، بل قامت على نهجٍ راسخ أسسه السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وجعل من عُمان دولةً حاضرةً بثقلها السياسي والدبلوماسي، تحترم الجميع، وتفتح أبواب التعاون مع الجميع، وتحافظ في الوقت ذاته على ثوابتها وهويتها ومصالحها الوطنية.
واليوم، يواصل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- هذا النهج، ولكن بأدوات المرحلة ومتطلباتها، واضعًا الاقتصاد والاستثمار والشراكات الدولية في صميم التحرك العُماني الخارجي.
وتأتي زيارة جلالته الأخيرة إلى جمهورية كازاخستان يومي 5 و6 أكتوبر 2026، لتشكل محطة مهمة في هذا المسار؛ فهي أول زيارة دولة لسلطان عُماني إلى كازاخستان، وفتحت آفاقًا جديدة للتعاون بين البلدين في مجالات الاستثمار والطاقة والتعدين والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والأمن الغذائي والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ولم تكن نتائج الزيارة مجرد مباحثات، بل شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، من بينها اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، وإنشاء صندوق استثماري مشترك، وإنشاء مجلس الأعمال العُماني الكازاخستاني، إلى جانب اتفاقيات في مجالات أخرى.
وهنا تظهر بوضوح فلسفة جلالة السلطان هيثم في التحرك الخارجي: أن تتحول العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية، وأن تتحول الصداقة بين الدول إلى مشاريع واستثمارات ومنافع متبادلة.
وقد عبّر جلالة السلطان خلال منتدى الأعمال العُماني الكازاخستاني عن هذا التوجه بوضوح، داعيًا إلى «مدّ جسور جديدة من الشراكات الاستثمارية والاقتصادية» واكتشاف الفرص المتاحة بما يخدم المصالح المتبادلة.
وهذا النهج لا يقتصر على كازاخستان، بل يأتي ضمن تحرك أوسع لعُمان نحو مختلف دول العالم، من دول الخليج والدول العربية، إلى أوروبا وآسيا وغيرها، بهدف توسيع دائرة الشراكات، واستقطاب الاستثمارات، وفتح الأسواق أمام الاقتصاد العُماني، وتعزيز مكانة السلطنة كمركز تجاري ولوجستي واستثماري.
وعندما تولى جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم، كان يدرك حجم الأمانة التي يحملها، ولذلك جاءت كلماته الأولى واضحة في التأكيد على استمرار المسيرة. وقد قال جلالته في خطابه الأول: «إن عزاءنا الوحيد وخير ما نخلد به إنجازاته هو السير على نهجه القويم والتأسي بخطاه النيرة»، مؤكدًا عزمه على الحفاظ على ما أنجزه السلطان قابوس والبناء عليه.
ولم يكن ذلك مجرد وفاء للقائد الراحل، وإنما إعلانًا عن استمرار مشروع الدولة.
وفي السياسة الخارجية، قال جلالته «سوف نترسم خطى السلطان الراحل»، مع المحافظة على ثوابت السياسة العُمانية القائمة على التعايش السلمي وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول واحترام سيادتها والتعاون الدولي.
ومن هنا يمكن قراءة المشهد العُماني اليوم بصورة أوضح؛ فهناك نهج قابوس الذي أسس لعلاقات متوازنة مع العالم، وهناك إرادة هيثم التي تعمل على توظيف هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي في بناء مستقبل اقتصادي أكثر قوة وتنوعًا.
لقد وضع السلطان قابوس- رحمه الله- عُمان على خريطة العالم كدولة تحترم الحوار، وتؤمن بالسلام، وتحافظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف.
واليوم، يستثمر جلالة السلطان هيثم هذا الرصيد في مرحلة جديدة تحتاج فيها السلطنة إلى توسيع قاعدة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص العُماني.
وفي كازاخستان تحديدًا، تبرز أهمية الموقع الجغرافي للبلدين؛ فكازاخستان تقع في قلب آسيا الوسطى وعلى طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، بينما تتمتع سلطنة عُمان بموقع بحري استراتيجي يربط الخليج بآسيا وأفريقيا والمحيط الهندي.
وقد أشار جلالة السلطان إلى هذه الميزة، مؤكدًا أن موقع كازاخستان وموقع عُمان يفتحان آفاقًا واسعة لتعزيز التجارة والنقل والاستفادة من الموانئ العُمانية كبوابات للأسواق في الخليج وآسيا وأفريقيا. وهذا تحديدًا ما يجعل الزيارات السلطانية ذات أهمية تتجاوز العلاقات السياسية؛ فهي تبحث عن ممرات تجارية جديدة، واستثمارات جديدة، وأسواق جديدة، وفرص جديدة لعُمان وشعبها.
ومن أجمل ما أكد عليه جلالة السلطان هيثم في أحد خطاباته أن الانفتاح على العالم يجب أن يكون متوازنًا، فقال: «ولِنَنْفَتِحْ على العالَمِ، في توازنٍ ووضوحٍ، لا تُفْقِدُنا أصالتَنَا ولا تُنسينا هويتَنَا».
وهذه العبارة تختصر جانبًا مهمًا من الشخصية العُمانية؛ فالتطور لا يعني التخلي عن الأصالة، والانفتاح لا يعني الذوبان، وبناء العلاقات الدولية لا يعني التفريط في الثوابت.
وعُمان تعرف ماذا تريد من العالم، وتعرف في الوقت نفسه ما الذي تقدمه للعالم. وتقدم الاستقرار، والموقع، والموانئ، والموثوقية، والأمن، والقدرة على بناء شراكات طويلة الأمد، وتقدم قبل ذلك كله شخصية عُمانية عُرفت عبر التاريخ بالاعتدال والانفتاح وحسن التعامل.
إنَّ المرحلة المقبلة تتطلب أن تتجاوز العلاقات الدولية إطار المجاملات الدبلوماسية إلى بناء مصالح اقتصادية حقيقية؛ فكل اتفاقية استثمارية ناجحة يمكن أن تعني مشروعًا جديدًا، وكل شراكة اقتصادية يمكن أن تفتح سوقًا، وكل ممر تجاري جديد يمكن أن يعزز مكانة عُمان، وكل استثمار جديد يمكن أن يسهم في إيجاد فرص عمل وتنويع مصادر الدخل.
وهذا ما أكده البيان العُماني الكازاخستاني المشترك، الذي شدد على توسيع الاستثمارات في الطاقة والموارد الطبيعية والصناعات التحويلية والأغذية والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة المتجددة والتعدين، إضافة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
إنها إذن ليست زيارة إلى دولة بعيدة فحسب، وإنما جزء من مشروع أوسع لربط عُمان بمراكز الاقتصاد العالمي.
رحم الله السلطان قابوس، الذي وضع الأساس وبنى الدولة وأرسى سياستها الخارجية، وحفظ الله جلالة السلطان هيثم، الذي يحمل الأمانة ويواصل البناء؛ فما نشهده اليوم هو امتداد لمسيرة لم تتوقف؛ نهج قابوس في السلام والاعتدال وحسن الجوار، وإرادة هيثم في التنمية والاستثمار والانفتاح الاقتصادي.
وبين النهج والإرادة، تمضي عُمان بثبات. تمضي وهي تحافظ على علاقاتها مع الأشقاء في الخليج، وتعزز روابطها مع الدول العربية، وتفتح نوافذ جديدة مع أوروبا وآسيا وآسيا الوسطى، وتبحث عن كل فرصة يمكن أن تضيف إلى الاقتصاد الوطني وتخدم المواطن العُماني.
وهنا تكمن قيمة التحرك السلطاني؛ فالعالم اليوم لا ينتظر الدول التي تقف في مكانها، وإنما يفتح أبوابه للدول التي تعرف كيف تبني علاقاتها، وتحمي مصالحها، وتستثمر موقعها، وتستبق المستقبل.
وجلالة السلطان هيثم بن طارق يقود عُمان في هذا الاتجاه بثبات وهدوء، واضعًا أمامه هدفًا واضحًا: الحفاظ على ما تحقق، والبناء عليه، والارتقاء بعُمان إلى المكانة التي تستحقها. لقد قال جلالته: «فإننا لن نتوانى عن بذل كل ما هو متاح لتحقيق ذلك»، في سياق الحديث عن صون مكتسبات الوطن وبناء مستقبل زاهر لأبنائه.
وهذه هي الرسالة الأهم.
قابوس وضع الأساس، وهيثم يواصل البناء.
قابوس فتح لعُمان أبواب العالم، وهيثم يفتح أمام اقتصادها آفاقًا جديدة.
وقابوس رسّخ نهج السلام، وهيثم يعزز نهج الشراكة والاستثمار.
وهكذا تستمر عُمان؛ دولةً ثابتة في مبادئها، منفتحة على العالم، حريصة على مصالحها، وماضية نحو المستقبل بثقة.
إنه نهج قابوس.. وإرادة هيثم.
