مرتضى بن محمد جواد الجمالاني
إذا لا قدر الله وقع تصادم بين سفن إيرانية، ونتج عنه تلوث للبيئة البحرية، وفيات أو إصابات، وأضرار للسفن والبضائع والممتلكات وأطراف ثالثة، بينما لا توجد تغطية تأمينية وإعادة تأمين دولية فعّالة وقابلة للتنفيذ بسبب العقوبات الأمريكية، فإن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال التقليدي: من تسبب في التصادم؟
بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأهم: من يتحمل المخاطر المالية الناتجة عن غياب التأمين؟ ومن يعوض الضحايا؟ ومن يتحمل تكلفة إزالة التلوث والأضرار التي تلحق بالأطراف الثالثة؟
أولًا: مسؤولية مالك السفينة – Shipowner Liability
يجب تحديد مسؤولية مالك السفينة ومشغلها وقائدها وأي طرف آخر ساهم في وقوع التصادم وفق القانون البحري والاتفاقيات الدولية واجبة التطبيق.
وفي الحالات التي تنطبق فيها مسؤولية صارمة Strict Liability، لا يُطلب من المتضرر إثبات الإهمال أو الخطأ؛ وإنما إثبات وقوع الضرر والوقائع المنشئة للمسؤولية وفق النظام القانوني المنطبق.
كما أن عدم وجود التأمين لا يلغي المسؤولية عن الضرر. فالتأمين وسيلة لتحويل المخاطر وتمويل التعويض، وليس مصدرًا للمسؤولية ذاتها.
ثانيًا: فجوة التأمين – Insurance Gap
إذا كانت العقوبات الأمريكية، التي يُديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، قد منعت أو عطلت وصول السفن الإيرانية إلى التأمين وإعادة التأمين والضمانات المالية الدولية، فإن ذلك يخلق فجوة تأمينية حقيقية.
ومن منظور إدارة المخاطر، يجب بحث ما إذا كانت العقوبات تمثل السبب الرئيس للفجوة التأمينية، أي السبب القريب في فقدان الحماية التأمينية، مع التمييز بوضوح بين سبب عدم توفر التأمين وسبب وقوع التصادم نفسه.
ثالثًا: مسؤولية الولايات المتحدة – مسؤولية الدولة State Responsibility
إذا ترتب على العقوبات خلق فجوة في الحماية التأمينية، ثم وقع حادث أدى إلى أضرار عابرة للحدود، فإن آثار هذه الإجراءات على الضحايا والأطراف الثالثة والبيئة يجب أن تكون محل نظر قضائي.
ولا ينبغي الخلط بين مسؤولية الدولة ومسؤولية القطاع الخاص؛ فمالك السفينة مسؤول عن إدارة وتشغيل سفينته والمخاطر المرتبطة بها، بينما تُبحث مسؤولية الدولة بصورة مستقلة على أساس القانون الدولي وقواعد مسؤولية الدول والاختصاص القضائي.
رابعًا: المسؤولية التشاركية Contributory Responsibility
إذا ساهم أكثر من طرف في النتيجة النهائية، فقد تبرز مسألة المسؤولية التشاركية؛ فقد يكون هناك، من جهة، مسؤولية مالك السفينة عن المخاطر البحرية وعدم توفير الحماية المالية البديلة الممكنة، ومن جهة أخرى، آثار مباشرة للعقوبات في منع أو تعطيل التأمين وإعادة التأمين.
وهنا يجب ألا يتحمل المتضرر وحده نتائج الفجوة التأمينية الذي لم يكن هو سببًا فيه.
خامسًا: دور القضاء
هنا يأتي الدور الأساسي للقضاء المختص لتحديد سبب وقوع الحادث، والسبب القريب في عدم توفر الحماية التأمينية، والمسؤولية القانونية لكل طرف، والعلاقة السببية بين الفعل والضرر، والاختصاص والحصانة السيادية، ومن يتحمل التعويض النهائي عن الضحايا والأطراف الثالثة والأضرار البيئية.
والسؤال المحوري الذي يجب ألا يبقى دون إجابة هو: إذا كانت العقوبات الأمريكية هي السبب المباشر لفجوة التأمين، بينما يتحمل مالك السفينة المسؤولية المطلقة بموجب النظام البحري المطبق، فمن الذي يتحمل في النهاية الخسائر الناتجة ويعوض الضحايا والأطراف الثالثة والبيئة؟
إن القضية، في هذه الحالة، ليست مجرد مطالبات تأمينية وإنما منظومة متكاملة من: السلامة والمسؤولية البحرية، ومسؤولية الدولة، والأضرار البيئية، والتأمين وإعادة التأمين، والقانون الدولي.
والهدف الأساسي هو ألا تؤدي الفجوة التأمينية إلى فجوة في المسؤولية، بحيث يتحمل الضحايا والمجتمع والبيئة في النهاية تكلفة خطر لم يكونوا هم من أنشأوه!
** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص
